343

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya - Ṣāliḥ Āl al-Shaykh = Ittiḥāf al-Sāʾil bimā fī al-Ṭaḥāwiyya min masāʾil

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

[المسألة السابعة]:
شبهة من قال بخلق القرآن وهم الطوائف الذين ذكرتهم لك قالوا:
إنَّ القرآن حروف وكلمات وصوت، فإذا قيل إنه كلام الله ﷿ الذي هو صفته صار الله ﷿ مَحَلًا لِما هو من صفة الأجسام والتقطع في الكلام؛ لأنَّ القرآن حروف متقطعة؛ يعني حروف تكونت منها الجمل، تكونت منها الآيات.
فنظروا إلى هذا فقالوا: هذا التقطع إنما هو من صفات من له نَفَسْ، من يُخْرِجْ الحرف ثم يَتَنَفَّسْ، ثم يقول كذا ونحو ذلك، وهذه من صفات المخلوقين، فلهذا جعلوه مخلوقًا.
ولهم في تبايُن صفات الخلق، أو كيف خَلَقَهُ وفي أي شيء خلقه، لهم أقوال كثيرة.
وهذه الشبهة والإيراد مبني أيضا على اعتقادٍ لهم، وهو أنَّ -أظن أني ذكرته لكم قبل ذلك- حدوث الأجسام إنما كان بدليل الأعراض، يعني حلول العَرَض في الجسم تَبِينُ به حاجة الجسم وافتقار الجسم إلى العرض، والعرض يطرأ ويزول، فلهذا صار الجسم حادثًا مما هو معروف، وقد فصّلته لكم فيما قبل فيما يسمى بدليل الأعراض (١) .
وهذا دليلٌ يعتمده المعتزلة وأخذه عنهم كتأصيل الأشاعرة والماتريدية وجماعة.
والقرآن إن قيل إنه صفة الله ﷿ صار عندهم أنَّ القرآن يكون في حالْ ولا يكون في حالْ؛ لأنَّ القرآن تَكَلَمَ الله ﷿ به ليس دَفعة واحدة، وإنما بحسب الوقائع، قالوا هذا يمتنع معه إلا أن يكون مخلوقًا.
والأشاعرة والماتريدية لما سلَّموا بأصل البرهان عارضوا ذلك ظاهرًا.
عارضوا قول المعتزلة ظاهرًا وسَلَّمُوهُ باطنًا، فقالوا: القرآن قرآنان:
- قرآن قديم وهو الذي تكلم الله ﷿ به.
- وقرآن أُنْزِلَ على محمد ﷺ.
فالقرآن القديم الذي هو صفة الله ﷿، هذا تكلم الرب ﷿ به دفعة واحدة.
والقرآن الذي أنْزِلَ على محمد ﷺ هذا جُعِلَ في رُوعِ جبريل، ذلك القرآن جُعِلَ في روعه -يعني في نفسه بدون أن يسمع- فنزل به على نبينا ﷺ. (٢)
وهذا منهم لأجل أن لا يُبطِلُوا الدليل السابق.
واستدلوا على ذلك -يعني المعتزلة- بأدلة كثيرة، موجودة في كتبهم، ليس هذا محل بيانها.
المقصود أنَّ القول بخلق القرآن مبني على شبهة، ولأجل هذه الشُّبْهَة ولأجل إبطالها فإنَّ أئمة أهل الإسلام كفَّرُوا في خلق القرآن بالنوع ولم يُكَفِّرُوا كل أحد قال بخلق القرآن حتى تقوم عليه الحجة لأجل الاشتباه في الدليل.
فإذًا نقول: من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لكن إذا جاء المُعَيَّنْ لابد من إيضاح الحجة له والرد على شبهته؛ وذلك لأنَّ هذه الفتنة عظيمة.
كذلك من تَوَقَّفَ في ذلك ولم يستبن له الأمر، أو من أجاب في الفتنة -فتنة خلق القرآن- فإنَّ أئمة أهل السنة والجماعة لم يُكَفِّرُوا أحدًا في ذلك ولم يمتنعوا أيضًا عن الرواية ممن توقف في المسألة أو أجاب لأجل الافتتان.
وهذا أصل عظيم مهم في هذا الأصل؛ يعني في مسألة خلق القرآن.
فإذًا معتقد أهل السنة والجماعة:
- أنّ القول بخلق القرآن من أبْطَلْ الباطل.
- وأنَّ القول بخلق القرآن كفر، لأنَّ معنى القول بأنَّ صفة الله مخلوقة، والقرآن صفة الله كلام الله فالقول بأنَّ صفة الله مخلوقة هذا تنقّص عظيم للرب ﷿، وتنقّص الرب ﷿ كفر بالله ﷾، فهو أعظم من الاستهزاء المجرّد لأنَّ هذا قول بالتنقص ومسبّة لله ﷿.
لكن ثَمَّ اشتباه وشبهة الوضع معها ما ذكرته لك آنفا.
أما الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم فهم يَرُدُّونَ على المعتزلة وعلى العقلانيين وعلى الخوارج وعلى الرافضة في مسألة خلق القرآن، يَرُدُّونَ عليهم بأنواع من الردود.
* لكن تنتبه إلى أنَّ مبنى هذه الردود على مذهبهم؛ وهو أنَّ كلام الله قديم وأنَّ الذي أُنْزِلَ على محمد ﷺ إنما كان في روع جبريل أو أخذه من اللوح المحفوظ -أخذه من المكتوب- أو نزل به من بيت العزة أو نحو ذلك من أقوالهم المعروفة.

(١) انظر شرح الواسطية للشيخ صالح آل الشيخ -سلَّمهُ الله-/ الشريط الثامن
(٢) لمزيد من التفصيل راجع الشريط السابع من شرح القصيدة النونية للشيخ ابن عثيمين ﵀

1 / 343