336

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya - Ṣāliḥ Āl al-Shaykh = Ittiḥāf al-Sāʾil bimā fī al-Ṭaḥāwiyya min masāʾil

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

[المسألة الأولى]:
المجادَلَةُ: عُرِّفَتْ بأنها إيراد الحجة على القول المخْتَلَفِ فيه مِن المُخْتَلِفِينَ.
فإذا اختلفوا في مسألة؛ هذا يُورِدُ حُجَّتَهُ تقريرًا لقوله وهذا يُورِدُ حُجَّتَهُ تقريرًا لقوله، فتصير مجادلة.
وفي الشرع المجادلة قسمان:
١- مجادلة مذمومة: وهي التي يُرادُ بها الانتصار للنفس وللقول دون تحرٍّ للحق.
٢- مجادلة محمودة: وهي المجادلة بالتي هي أحسن؛ يعني التي الغَرَضُ منها الوصول إلى الحق وإرشاد الضال وتبيين حجة الله ﷿، وهي مأمور بها في الشرع.
وهذه هي التي أثنى الله ﷿ على عباده بها، وأمرهم بها في قوله ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥]، وكقوله سبحانه في سورة العنكبوت ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] .
ويَشْتَبِهُ بالمجادلة الجَدَلْ.
والجَدَلُ قال بعض أهل العلم إنه هو المجادلة؛ لأنه مأخوذ من الجَدْلْ، جَدْلْ الحبل، وهو لَفُّ بعضه على بعض كَأَنَّ الأقوال التَفَّ بعضها على بعض من الإيراد.
والأظهر أنَّ الجَدَلْ نوعٌ من الخصومة؛ لكن لم يُمْدَحْ في القرآن، فذمّه الله ﷿ في قوله ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف:٥٧-٥٨] .
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ يعني في ذلك ذَمْ لهذا الإيراد، لأنَّهُم ما أَرَادُوا المجادلة ولا أَرَادُوا دفعًا للشُّبْهَة أو الوصول إلى الحق، وإنما هو جَدَلْ.
وهنا ثَمَّ بعض البحوث التي كُتِبَتْ في هذا الموضوع خاصَّةً عند المعاصرين باسم الجَدَلْ، (الجَدَلْ في القرآن) .
والجَدَلْ إذا كان يصل معه المتجادلون إلى حقيقة فإنه في الحقيقة مُجَادَلَة ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]، فهي مجادَلات في القرآن.
وإذا كان المقصود بالجَدَلْ في القرآن المجادلات فإنَّ هذا مقبول؛ لكن تكون تسميتها بالجدل هذه يكون فيها بحث اصطلاحي.
وإذا كان المقصود بالجَدَلْ في القرآن -مثل ما كتبوا- ما ضُرِبَ جَدَلًا لغيرِ وصولٍ إلى الحق، فهذا لا يدخل فيه المجادلات التي للوصول للحق، لأنهم يُدْخِلُونَ فيها ما أقام الله ﷿ به الحُجَّة مثل مجادلة الملك مع إبراهيم ﵇ في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، هذه يُدْخِلُونَهَا في الجدل.
فقوله هنا (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ) المجادلة -كما ذكرنا- إذا كانت بالتي هي أحسن للوصول إلى الحق فهذه مطلوبة شرعًا، وأمر الله ﷿ بها عباده.
لكنهم يجادلون بالقرآن لا فيه.
يعني يُجَادِلُ غيره بحجة القرآن.
وفَرْقٌ ما بين المُجَادَلَةْ بالقرآن وبين المُجَادَلَةْ في القرآن:
- فالمجادلة بالقرآن: أن تُورد الحجة من كتاب الله ﷿ وتُورِدْ وجه الاستدلال من ذلك.
- أما المجادلة في القرآن: فهو أن يُخْتَلَفْ في حُجِّيَتِهِ، أو تُضْرَبُ بعض الآيات ببعض، أو أنْ لا يُرَدْ المتشابه إلى المُحْكَمْ أو أن يُخَاضَ في الأمور الغيبية بأمور عقلية ونحو ذلك.
فالمجادلة بالقرآن محمودة لإقامة الحجة، وأما فيه فإنها مذمومة.

1 / 336