ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا، ويظهر لرسوله ﷺ وللمؤمنين سرائرهم إلى أن قال: فكان من حكمة حبس الوحي شهرا، أن القضية نضجت، وتمحضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى رسوله ﷺ فيها، وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع، فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله ﷺ وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه المؤمنون، فورد عليهم ورود الغيث على الأرض، أحوج ما كانت إليه، فوقع منهم أعظم موقع، وألطفه، وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء، فلو أطلع الله رسوله ﷺ على حقيقة
الحال من أول وهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحكم١ وأضعافها بل أضعاف أضعافها"٢.
١ من الحكم التي ذكرها أيضا في حكمة تأخر لوحي قال: لتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها والافتقار إلى الله، والذل له وحسن الظن به والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين ... الخ.
٢ زاد المعاد ٢/١٢٧.
المبحث الخامس: الحكم في كون رسول الله ﷺ لم يجزم ببراءة أهله كما جزم غيره من الصحابة
...
المبحث الخامس: الحكمة في كون رسول الله ﷺ لم يجزم ببراءة أهله كما جزم غيره١ من الصحابة
أورد هذا ابن القيم وأجاب عنه بقوله: "كان هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاء لرسوله ﷺ، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بهذه القصة أقواما، ويضع آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ... " إلى أن قال: "وأيضا فإن رسول الله ﷺ كان هو المقصود بالأذى والتي رميت زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها، ولم يظن بها سوءا قط، وحاشاه وحاشاها، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك، قال: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله
١ مثل ما قال أبو أيوب وزوجه ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.