183

Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

Publisher

مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م

Publisher Location

القاهرة

الذي ترونه لا ينام الليل، فما أن لامست كلمتهم هذه مسمعه حتى قال: إني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله، ولن أتوسد فراشا بعد اليوم في ليل حتى ألقى الله، ثم دأب منذ ذلك اليوم على قيام الليل كله، فكان إذا أرخى الظلام سدوله على الكون، وأسلمت الجنوب إلى المضاجع، قام فلبس أحسن ثيابه، وسرح لحيته، وتطيب، وتزين، ثم يصف في محرابه ويقطع ليله قانتا، أو منحنيا بصلبه على أجزاء القرآن، أو رافعا يده بالضراعة، فلربما قرأ القرآن كله في ركعة واحدة، ولربما قام الليل كله بآية واحدة، ولقد روي أنه قام الليل كله وهو يردد قوله تعالى ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] وهو يبكي من خشية الله (١).
احرص على قراءة القرآن يوميا، واجتهد في تدبر الآيات وكأنها قد نزلت عليك، وستجد السعادة في معايشة كلام الله.
٢ - علو الهمة في الجهاد:
في أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه ﷺ من آي القرآن ما يرفع شأن المجاهدين، ويفضلهم على القاعدين لينشط المجاهد إلى الجهاد، ويأنف القاعد من القعود، فأثر ذلك في نفس ابن أم مكتوم، وعز عليه أن يحرم من هذا الفضل وقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل قرآنا في شأنه وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد، وجعل يدعو في ضراعة: اللهم أنزل عذري .. اللهم أنزل عذري، فما أسرع أن استجاب الله ﷿ دعاءه!
حدث زيد بن ثابت ﵁ كاتب وحي رسول الله ﷺ قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله- ﷺ ثم سري عنه فقال: "اكتب يا زيد" فكتبت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها ما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: اقرأ ما كتبته يا

(١) صور من حياة التابعين ٤٩١، ٤٩٢.

1 / 183