على الحزن، فكانت الكتابة في هذا الدور تتألف من صور ماديات للدلالة عليها، وماديات أخرى للدلالة على ملزوماتها من المعاني، وذلك مشاهد كثيرًا في الرسوم المصرية القديمة، بل هو مشاهد الآن في القرى بين الأميين، فإذا حج واحد منهم إلى مكة، رسموا على باب داره صورة محمل فوق جمل زمامه بيد أعرابي، ورسموا جملًا آخر عليه هودج، وربما رسموا سفينة بجانب الجمل للدلالة على أن صاحب المنزل حج وسافر في البر والبحر. . . ثم ترقوا إلى الدور الحرفي بواسطة الصور، فاصطلحوا على استعمال صور للدلالة على الحروف التي في صور أسمائها. فإذا قصدوا أن يكتبوا لفظ غلبت الروم صوروا غرابًا وليمونة وبابًا وتفاحة وإبريقًا وليمونة ورحى ووردة ومبردًا (فإذا أخذت الحروف الأول من كل كلمة كان عندك الجملة غلبة الروم) وكان قوم قد اصطلحوا على صور مخصومة بقدر عدد حروف لغتهم، ثم اختصروا تلك الصور مع مرور الأيام حتى صارت علامات لا تدل إلا على أصوات الحروف كما هو الشأن الآن. . . .
وفي الكتاب رسوم عديدة تشرح للناظر تدرج الخط من هذه الرسوم المادية حتى بلغ دوره
الحرفي المعروف الآن. . . هذا هو الجزء الأول ن تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية. الذي نثر دوره حنفي ناصف بك على سامعي محاضراته والتي نظمتها إدارة الجامعة في كتاب مطبوع لتعمم الفائدة. وإننا ننتظر بفارغ الصبر الأجزاء التالية. لأننا كما تقدم في أشد الافتقار إلى مثل هذا الكتاب النفيس. وكلنا يقدر هذه الخدمة حق قدرها ويعرف أن ناصفًا هو كفؤ لها. . .
* * *