وفي تلك السنة رجع الآلوسيون إلى وطنهم بغداد قادمين من جزيرة آلوس مسقط رأس عميدهم الأول وموئلهم في المخاوف والمهالك. وكانوا قد انهزموا إليها في مذبحة تيمورلنك. فلما رجعوا عاد ضياء العلم والأدب إلى منبعثه ومصدره وحينئذ أخذ العلماء يتواردون من كل واد وناد متأثرين الألوسيين العلماء العظام. فمنهم من جاء من ناحية الموصل ومنهم من هبط من ديار الشام ومنهم من أقبل من أقطار مصر وغيرهم من غيرها.
على أن علم العلماء لم يتعد الجوامع والمساجد والكتاتيب. أما تدوينه في الكتب فإن العادة كانت قد ضعفت في أصحابها ولهذا لا ترى شعرًا أو أثرًا مذكورًا يرتقي إلى ذلك العهد.
وإنما بدأ عهد التأليف ونظم الشعر وقرضه في أيام داود باشا الكبير والوزير الخطير. فإنه كان عالمًا جليلًا فضلًا عما كان قد امتاز به من الحنكة والدربة في السياسة إذ كان فيها داهية من الدواهي. فهو إذًا الذي أنهض همة الكتبة والعلماء والشعراء، وأيقظ فيهم ملكة الأدب التي كانت قد خملت فيهم، وهو الذي حث أهل العلم والفضل والأدب على جمع الكتب والمكاتب فعمر لها الخزائن ونظم المدارس وأنشأ المساجد والجوامع إلى غير ذلك من الأعمال العالية التي تذكرنا مآثر هارون الرشيد أو جلائل المأمون.
ولد داود باشا الكبير نحو سنة ١١٨٨ هجري (١٧٧٤م) في بلاد الكرج وجاء بغداد وكان مملوكًا نصرانيًا عمره ١١ سنة جاء به أحد النخاسين إلى بغداد فاشتراه منه مصطفى بك الربيعي. ثم باعه لسليمان باشا والي بغداد فرباه أحسن تربية وعلمه القرآن ودرسه العلوم والفنون المشهورة في