تكليف العبد بما لا يطاقه غير واقع : على ما هو رأي المحققين . وروي | عن إمام الحرمين والإمام الرازي جواز التكليف بالمحال بل وقوع التكليف به بدليل أن | أبا لهب كلف بالإيمان وهو تصديق النبي [ $ ] في جميع ما علم مجيئه به ومن جملته أنه | لا يؤمن فقد كلف بأن يصدقه في أن لا يصدقه وإذعان ما وجد في نفسه خلافه مستحيل | قطعا فقد وقع التكليف بالمحال . | | وأجيب بأن الإيمان في حقه هو التصديق بما عدا هذا الأخبار . ولا يخفى ما فيه | من اختلاف الإيمان بحسب اختلاف الأشخاص وهو باطل لأن الإيمان حقيقة واحدة لا | يتصور اختلافها بحسب الأشخاص . والجواب الصواب الذي اختاره السيد السند قدس | سره أن المحال إذعان أبي لهب بخصوص أنه لا يؤمن وإنما يكلف به إذا وصل إليه | ذلك المخصوص وهذا الوصول ممنوع . وأما إذا كان التكليف قبل وصول ذلك | المخصوص إليه فالواجب عليه هو الإذعان الإجمالي إذ الإيمان هو التصديق إجمالا | فيما علم إجمالا وتفصيلا فيما علم تفصيلا ولا استحالة في الإذعان الإجمالي .
واعلم أنه قد اشتهر أن الشيخ أبا الحسن الأشعري ذهب إلى جواز التكليف | بالمحال بل إلى وقوعه لكن لم يثبت تصريحه به . وقيل وجه الشهرة أن عنده أصلين | موهمين إلى ذلك الجواز والوقوع . الأول : أنه لا تأثير لقدرة العبد عنده في أفعاله فهي | مخلوقة لله تعالى ابتداء . والثاني : أن القدرة عنده مع الفعل لا قبله والتكليف قبل الفعل | فلا يكون حينئذ الاستطاعة والقدرة على الفعل . والتكليف بغير المقدور تكليف بالمحال | فيعلم من ها هنا أن عند الشيخ تكليفا بما لا يطاق بهذا الاعتبار .
ولا يخفى أن ما هو المشهور من نسبة جواز التكليف بما لا يطاق إلى الشيخ | الأشعري بناء على الأصلين المذكورين غلط فاحش لأنه لا معنى لتأثير العبد عنده في | أفعاله إلا القصد إليه باختياره وإن لم يخلق الله تعالى الفعل عقيب قصده . ومراد الشيخ | بأن قدرة العبد غير مؤثرة أنها غير موجودة للفعل فالعبد مؤثر في أفعاله بوجه دون وجه . | والتكليف إنما يعتمد على سلامة الأسباب لا على القدرة المقارنة فلا يلزم التكليف بما | لا يطاق . ولأنه لو كان عدم تأثير القدرة الحادثة وكونها غير سابقة على الفعل موجبا | لكون الفعل مما لا يطاق لكان كل تكليف بكل فعل تكليفا بما لا يطاق عنده وهو لا | يقول به .
Page 234