297
قتل تارك الصلاة
وقد اختلف العلماء فيمن ترك الصلاة: هل يقتل أو لا يقتل؟ فمن العلماء من قال: إنه يقتل، وهذا مذهب الجماهير من العلماء، واختلفوا في كيفية قتله، فالجمهور على أنه يقتل بالسيف، وقال بعضهم: يقتل بالخشب حتى يموت، وقال بعضهم: ينخس بالسيف نخسًا حتى يموت.
وذهب بعض العلماء من الأحناف وغيرهم إلى أنه لا يقتل، وإنما يحبس حتى يصلي أو يموت، والصواب أنه يقتل، ويكون قْتله بالسيف؛ لأن القتل بالسيف أحسن القتلات، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)، فإذا ترك الصلاة فإنه يقتل بالسيف؛ لأن المرتد يقتل بالسيف، وأما الزاني المحصن فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت، وهذه القِتلة من أشنع القتلات؛ لأمرين: الأمر الأول: أن الزاني وصلت اللذة المحرمة إلى جميع أجزاء جسده، فعاقبه الله تعالى بعقوبة يصل الألم فيها إلى جميع أجزاء جسده.
الثاني: أن الداعي إلى الزنا قوي، فجعل الله العقوبة قوية؛ حتى تكون رادعة وزاجرة، ولأن هذا الحد يذكر بما فعل الله تعالى بقوم لوط، حيث إن الله أمر جبريل فرفع مدائنهم وقراهم إلى السماء ثم نكسها عليهم، ثم أتبعوا بحجارة من سجيل مسومةٍ، كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر:٧٤]، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، فأمطر الله عليهم حجارة، فهذه العقوبة تذكر بما فعل الله بقوم لوط.
فالصواب أن تارك الصلاة يقتل، وهل يستتاب أو لا يستتاب؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يستتاب، وهؤلاء هم الذين قالوا: إنه يقتل حدًا، حيث اختلفوا فيه: هل يقتل حدًا أم كفرًا؟ فقال بعضهم: يقتل كفرًا، وقال آخرون: يقتل حدًا، ومن قال: يقتل حدًا قال: إنه لا يستتاب؛ لأن هذا حد، فما دام أنه ترك الصلاة فإنه يقتل بتركه لها، كما أن الزاني يجلد لفعله الزنا، وكما أن السارق تقطع يده لفعله السرقة، فإذا وصل إلى الحاكم الشرعي فلا بد من قتله وإن قال: إنه قد تاب.
وأما من قال: إنه يقتل كفرًا فإنه يقول: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وهل يقتل إذا ترك صلاة واحدة حتى خرج الوقت، أو إذا تضيق وقت الثانية التي تجمع إليها، بحيث ترك صلاة الظهر لا يقتل حتى يضيق وقت العصر قرب غروب الشمس؟ وهذا الثاني هو الأقرب؛ لأن الظهر يجمع مع العصر، والمغرب مع العشاء، فإذا تضيق وقت الثانية واستتيب ولم يتب فإنه يقتل، والدليل على قتل تارك الصلاة ما ثبت في الصحيحين عن علي ﵁: (أنه أرسل إلى النبي ﷺ بذهيبة من اليمن فقسمها بين أربعة من رؤساء القبائل يتألفهم على الإسلام، فقال له رجل: اتق الله، فقال له النبي ﷺ: ويلك! ألست أحق الناس أن يتقي الله؟! فقال له خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ فقال النبي ﷺ: أليس يصلي؟ فقال: يا رسول الله كم من مصل وما في قلبه يخالف ظاهره -أو كما قال في الحديث- فقال النبي ﷺ: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم)، وفي الحديث الآخر: (نهيت عن قتل المصلي)، فدل على أن غير المصلي يقتل، فالذين لا يصلون لم ينه النبي ﷺ عن قتلهم.
وثبت -أيضًا- في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وغيره وبعض أهل السنن: (أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ يساره ويستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله ﷺ وقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: بلى ولا شهادة له، فقال: أليس يشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: بلى ولا شهادة له، فقال: أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له، فقال ﵊: إني لم أؤمر بقتل المصلين) أو كما قال ﵊، فدل على أن من لم يصل فإنه يقتل، وهذه أدلة واضحة.

14 / 5