268
كفر التكذيب والجحود
أما النوع الأول من أنواع الكفر الاعتقادي -وهو كفر التكذيب والجحود- فهو كاسمه، يكون صاحبه مكذبًا ويكون جاحدًا لله أو لرسوله ﷺ، والدليل على هذا النوع من الكفر قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨] وكفر التكذيب والجحود ينقسم إلى أقسام باعتبارات: فينقسم بالنسبة إلى جهة التكذيب إلى قسمين: القسم الأول: تكذيب بالقلب واللسان، وهو اعتقاد كذب الرسل وجحد ما جاءوا به، فيكذب ويجحد ما جاءت به الرسل بقلبه ولسانه، وهذا القسم قليل في الكفار، ونادر جدًا، وقد لا يوجد، وذلك لأن الله ﷾ أعطى الرسل من الآيات والبراهين والحجج والأدلة الواضحة على صدقهم وصدق ما جاءوا به ما يتبين به صدقهم لكل أحد، حتى قامت الحجة وانجلت المعذرة، قال الله ﷾: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فهذا الكفر قليل؛ لأن حجج الرسل وأدلتهم تدل على صدقهم، وهي واضحة نيرة لكل أحد، وأوضح من الشمس في رابعة النهار.
القسم الثاني: تكذيب باللسان مع اعتراف القلب وتصديقه، وهذا القسم كثير في الكفار، وهو الغالب على أعداء الرسل، ومن أمثلة هذا النوع كفر فرعون وقومه، فإن فرعون وقومه معترفون بصدق موسى ﵊ وأنه رسول من عند الله، لكنهم كذبوا بألسنتهم فصاروا مكذبين وجاحدين، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]، فقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل:١٤] يعني: بألسنتهم، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، فنفوسهم مستيقنة مصدقة، أخبر ﷾ عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] فقال له: ﴿عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢]، والعلم هو اليقين، ففرعون متيقن، لكنه كذب وجحد بلسانه عنادًا للحق وتكذيبًا للحق الواضح البين.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: كفر ثمود الذين أرسل الله إليهم صالحًا، قال الله ﷾: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس:١١]، أي: بسبب طغيانها، فالطغيان هو الذي حملهم على التكذيب بألسنتهم وإن كانوا مصدقين ومعترفين ببواطنهم وقلوبهم.
وكذلك كفار مكة ومشركو قريش كذبوا النبي ﷺ بألسنتهم وهم متيقنون في الباطن معترفون بصدق الرسول ﷺ، قال الله ﷾ لنبيه ﷺ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَك﴾ [الأنعام:٣٣] يعني كفار قريش، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلمن يعني: لا يكذبونك بقلوبهم، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: يجحدون بألسنتهم، فنفى عنهم التكذيب وأثبت لهم الجحود؛ لأن الجهة منفكة، فجهة الجحود غير جهة الاعتراف والتصديق، فهم لا يجحدون بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: بقلوبهم، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، وهذا القسم كثير في الكفار.
وينقسم كفر التكذيب والجحود انقسامًا آخر أيضًا، فينقسم بالنسبة إلى المكذب به إلى قسمين: تكذيب مطلق عام، وتكذيب مقيد خاص، فالأول كأن يكذب بجميع ما أنزل الله به من الكتب وبجميع ما أرسل الله به الرسل، وهذا تكذيب مطلق عام، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] أي: اليهود، فقد أنكروا الرسالات كلها وقالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، قال الله تعالى ردًا عليهم: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]، فمن عتوهم وعنادهم أنهم قالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١].
القسم الثاني: كفر مقيد خاص، كأن يجحد أو ينكر فريضة من فرائض الإسلام، كأن ينكر وجوب الصلاة، أو ينكر وجوب الزكاة، أو ينكر وجوب الحج، أو ينكر البعث بعد الموت، فهذا لم ينكر كل شيء ولم يجحد كل شيء، وإنما أنكر شيئًا خاصًا، فيكون كافرًا خارجًا من الملة؛ لأن هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فإنه لا خلاف في وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، فإذا أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة وجوبه كَفَر، وإذا قال: الصلاة غير واجبة كفر ولو صلى، أو قال: الزكاة غير واجبة كفر ولو زكى، أو قال: الصوم غير واجب كفر، أو قال الحج غير واجب كفر؛ لأن هذه فرائض وواجبات معلومة من الدين بالضرورة وليس فيها خلاف.
ومثال ذلك أيضًا: أن ينكر تحريم محرم من محرمات الإسلام، كأن ينكر تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم شرب الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين، أو تحريم قطيعة الرحم؛ لأن هذه محرمات معلوم من الدين بالضرورة تحريمها، ولم ينازع فيها أحد من العلماء، فيكون كافرًا، بخلاف ما إذا أنكر شيئًا فيه خلاف بين أهل العلم، فهذا لا يكفر، كما لو أنكر الوضوء من لحم الإبل، فهذا لا يكفر؛ لأن المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يرى الوضوء من لحم الإبل وبعضهم لا يرى ذلك، أو أنكر تحريم الدخان؛ لأن الدخان قيل فيه: إنه ليس بحرام، والصواب أنه حرام، لكن بعض الناس قال: إنه ليس بحرام، فمن أجل الشبهة لا يكفر، بخلاف الخمر فإنه مجمع على تحريمه، ولم يقل أحد: إن الخمر حلال بخلاف الدخان، وإن كان الصواب أنه محرم، وقد اتفق العلماء في المملكة على تحريم الدخان، لكن بعض العلماء في خارج المملكة أفتوا بعدم تحريمه، فمن أجل ذلك لا يكفر من أنكر تحريم الدخان لأجل الشبهة.
ومثال ذلك أيضًا: أن ينكر صفة وصف الله بها نفسه أو يجحدها، كأن يجحد قدرة الله، أو علم الله، أو سمع الله أو بصره، أو ينكر خبرًا أخبر الله به، كالجنة والنار، فينكر الجنة أو ينكر النار أو ينكر البعث أو غير ذلك مما أخبر الله به.
ومن ذلك: أن يقدم قول أحد من الناس على قول الله أو قول رسوله لغرض من الأغراض، ويكون في ذلك كله عالمًا متعمدًا لا جاهلًا ولا متأولًا تأويلًا يعذر فيه.
فالذي جحد فريضة من فرائض الإسلام، أو جحد تحريم محرم من محرمات الإسلام، أو جحد صفة وصف الله بها نفسه، أو جحد خبرًا أخبر الله به، وأنكر ذلك متعمدًا لا عن جهل ولا عن تأويل يعذر فيه، بل عن عناد وعن علم وعن مكابرة كافر فيه أما إذا جحد شيئًا من ذلك جاهلًا فهذا معذور حتى يعلم وتقوم عليه الحجة، أو أنكره متأولًا تأويلًا يعذر فيه، مثل بعض الأشاعرة حين تأولوا بعض الصفات فتأولوا الرضا بالثواب، وهناك فرق بين الجاحد وبين المتأول، فالجاحد المنكر يكفر، فالذي يجحد قدرة الله، أو علم الله، مكذب لله في إثباته العلم لنفسه وقدرته، وهذا بخلاف المتأول، فالمتأول يقول: أنا أثبت الاستواء لكن معناه الاستيلاء، وأثبت الرضا لكن معناه الثواب.
فهذا متأول، وفرق بين المتأول وبين الجاحد، فالجاحد يكفر والمتأول يعذر بتأويله ولا يكفر.
ومثال ذلك: ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة الرجل الذي قال لبنيه: إنه لم يبتئر خيرًا، يعني: لم يعمل خيرًا، وأوصى بنيه أنه إن مات فعليهم أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروه في الريح، وفي بعض الألفاظ: ثم يذروا بعضه في البر وبعضه في البحر وقال: (فوالله لئن قدر الله علي وبعثني ليعذبني عذابًا عظيمًا) والحديث له طرق وله روايات.
وجاء في الحديث: (أن الله تعالى يأمر البر فيجمع ما فيه والبحر فيجمع ما فيه، ثم يقول له: كن، فإذا هو قائم بين يدي الله، فيقول الله تعالى: ما حملك على ذلك؟ قال: يا رب! خوفك، قال: فغفر الله له ورحمه)، فهذا الرجل أنكر قدرة الله على بعثه، لكن ليس عن عناد ولا عن تكذيب، وإنما عن جهل بسبب الخوف العظيم من الله، فغفر الله له ورحمه، والحديث -أيضًا- فيه كلام لأهل العلم، فبعض أهل العلم يقول: إن هذا فيمن كان قبلنا، وإنه خاص بهم، والصواب ما ذهب إليه المحققون -مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- أن هذا الرجل إنما أنكر ذلك عن جهل، وحمله على ذلك الخوف العظيم، وليس عن عناد ولا تكذيب، فلو أنكر مكذبًا جاحدًا لكفر، ونلحظ في هذه القصة أمورًا: الأمر الأول: أن هذا الرجل ما أنكر قدرة الله، ولا أنكر البعث، فهو يرى أن الله قادر على بعثه، ويؤمن بالبعث، إلا أنه ظن أنه إذا أحرق وسحق وذري في البر والبحر فإنه الله لا يقدر عليه، لكن لو لم يحرق ولم يذر فإن الله سيبعثه ويقدر عليه، فهذا الرجل ما أنكر البعث ولا أنكر قدرة الله، وإنما أنكر كمال تفاصيل القدرة، حيث ظن أنه إذا وصل إلى هذه الحالة من الحرق والسحق فإن الله لن يقدر على بعثه.
ثانيًا: أن هذا من الأمور الدقيقة الخفية وليس من الأمور الجلية الواضحة، وفرق بين من ينكر أمرًا واضحًا جليًا وبين من ينكر أمرًا دقيقًا خفيًا، وهذا أمر دقيق خفي بالنسبة له.
ثالثًا: أنه لم يجحد ما جحده عن عناد ولا عن تكذيب، بل هذا الذي قاله مبلغ علمه، فهو عن جهل.
رابعًا: أن الحامل له على ذلك هو الخوف العظيم من الله، فاجتمع الأمران: الجهل مع الخوف العظيم من الله،

12 / 5