299
فرضية وحدة العمل الإسلامي
إن فرقة المسلمين بلاءٌ كبير، بلاء دونه كل بلاء، ووحدة المسلمين والعمل الإسلامي ليس أمرًا مستحبًا نأخذه متى ما شئنا، وندعه متى ما أردنا، إنه واجب إسلامي فرضه رب العزة ﵎، فنجد في كتاب الله أن الله يتحدث عن هذه القضية مرة، وكأنها حقيقة مسلمة ليس فيها جدال لا في هذه الأمة فحسب، بل كل مؤمن وجد على ظهر هذه البسيطة منذ عهد آدم إلى آخر إنسان كلهم أمة واحدة، عندما تحدث الله عن الأنبياء من قبلنا، وذكر من شأنهم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، وفي آية: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]، ومرة يأمر الله بها ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ومرة ينهى عن الفرقة والاختلاف كما في الآية السابقة، وكما في قوله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١]، ﴿من الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٣٢]، ويأتي الرسول ﷺ ليصور حال المسلمين والمؤمنين في اجتماعهم ووحدتهم فيقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، تلك صورة المسلمين، المؤمن في الأمة كالخلية في الجسد، وتلك الخلايا مترابطة فيما بينها، فإذا ما شيك الإنسان بشوكة في أي جزءٍ من جسده أحس الجسد كله بالألم، وفي حديث آخر يصور المؤمنين كالبنيان المرصوص.
إن وحدة المسلمين ووحدة العمل الإسلامي أمر قرره خالق الوجود ﵎، الله رب العزة هو الذي قرر أن المسلمين شيء واحد، وأنهم جسد واحد، وقال فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ولا يمكن للمسلمين أن يعزوا إلا إذا اجتمعوا، ولا يمكن لهم أن يعزوا إلا بالإسلام، فقدر الله أن حملهم أمانة الرسالة، فإذا ما حيوا بهذه الرسالة وبلغوها للعالمين فإن الله ﷾ سينصرهم ويؤيدهم، وإذا ما اختلفوا فإنهم كما أخبر الحق سيفشلوا، وتذهب ريحهم وقوتهم، ويتغلب عليهم أعداؤهم، وآثار الفرقة في عالمنا اليوم واضحة ماثلة للعيان، فهذه الوحدة التي نادى بها الدين ليست كالوحدة العربية أو الأوربية، والأحلاف في (الكمنولث) البريطاني وغيرها من الوحدات التي يتحدث عنها الناس في الحديث والقديم، فهذه وحدة قائمة على أصول راسخة قوية، أولها: أننا على ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

33 / 4