267
كيفية إتيان جبريل محمدًا ﷺ
سأل أحد الصحابة وهو الحارث بن هشام الرسول ﷺ فقال: (يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال الرسول ﷺ: أحيانًا يأتي مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه)، وهذا يكون عليه شديدًا؛ لأن الملك يتصل بالبشر بصفته الملائكية، قال: (فينفصم عني -يذهب الوحي- وقد وعيت عنه) ولذلك الرسول ﷺ كان في الليلة الشاتية شديدة البرد يعرق ويحمر وجهه، وهذا دليل على أن الذي كان يأتي الرسول ﷺ ليس جنًا ولا شيطانًا، فإن الجن عندما يتلبس بالإنسان يخف وزنه، ويصفر لونه، بينما اتصال الملك نماء وقوة، وحيوية، واحمرار في الوجه، بخلاف الذين تتلبس بهم الشياطين.
قال: (وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول)، ولا يتصل به، بل يتحول إلى الطبيعة البشرية، أو إلى شيء يشابه الطبيعة البشرية، وكما قلنا: الرسول ﷺ كان يتصل به جبريل بطبيعته الملائكية، لكن لا يراه على صورته الملائكية، إنما الاتصال بطريقة لا نعرف ولا ندري كيف ذلك، أما الرؤية التي رأى الرسول ﷺ فيها جبريل على صورته فكانت مرتين، يقول الرسول ﷺ فيما يرويه البخاري: (بينما أنا أمشي قرب مكة إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني)، والمرة الثانية عندما عرج به إلى السماء، وهاتان المرتان هما المذكورتان في سورة النجم، قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] أي: جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا﴾ [النجم:٦ - ٨]، أي اقترب من الرسول ﷺ ﴿فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩]، ما بينه وبين الرسول ﷺ إلا قوسان، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، فأوحى جبريل إلى عبد الله الذي هو محمد ﷺ ما أوحى، قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١١ - ١٣]، أين؟ قال تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٤ - ١٧].
وهذا هو الصحيح لا كما يقول بعض الناس: إن هذه الرؤية رؤية الرسول ﷺ لربه، وهذا خطأ كبير، فالرسول ﷺ لم ير ربه رؤية عين ببصره.

27 / 17