366

Durūs liʾl-Shaykh ʿAbd Allāh al-Jalālī

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

العدل عند رسول الله ﷺ
إن لنا في سلفنا الصالح قدوةً في العدل والإنصاف، ابتداءً من رسول البرية ﵇، الذي ما كان يعرفه الأعرابي حين يقدم عليه إلى المدينة، فكان يدخل المسجد ويقول: أيكم محمد رسول الله؟! فلم يكن ﵇ ليتميز حتى في مجلسه، أو في هيئته، أو في أي أمرٍ من الأمور.
كان ﵊ في غزوة بدر يرص الصفوف للقاء العدو، وكان يمسح بيده الكريمة بطون القوم؛ ليتأكد من استقامة الصف، فيمر على أعرابي يدعى سواد بن غزية، فيمسح على بطنه، فيقول: (يا رسول الله أوجعتني!)، أتظنون أنه قال: خذوه إلى السجن؟! لا بل كشف الرسول ﵇ عن بطنه وقال: (خذ حقك مني)، فيأتي هذا الصحابي ويقبل بطن رسول الله ﵇، فيسأل عن السر في ذلك، فيقول: (والله إنها لساعة أرجو أن تكون آخر عمري من الدنيا، وأريد أن يكون آخر عهدي بالدنيا تقبيل رسول الله ﵇، أو تقبيلي لبطن رسول الله ﵇.
وذات يوم اختصم بلال وأبو ذر ﵄ في أمرٍ من الأمور، فقال أبو ذر لـ بلال: (اذهب يا ابن السوداء!، فغضب بلال وذهب إلى الرسول ﵇ فأخبره، فغضب رسول الله ﵇ وقال: أعيرته بأمه؟ ليس لابن سوداء على ابن بيضاء فضل إلا بالتقوى)، فمعيار التفاضل فيما بين الخلق هو التقوى، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، فما كان من أبي ذر ﵁ -وهو الرجل العربي الأصيل- إلا أن وضع خده على الأرض ليطأه بلال! هكذا يقر الإسلام قواعد العدل في الأمة، وحينئذ فليس في منظور الإسلام شريف ولا وضيع: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
وكذلك المرأة المخزومية التي كانت تأخذ المتاع وتجحده، وأراد النبي ﵇ أن يقطع يدها، فأراد أسامة بن زيد ﵁ أن يشفع لها عند رسول الله؛ لئلا تلحق العار ببني مخزوم، وهم من أشراف قريش، فقال الرسول ﵇: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

14 / 5