Durūs liʾl-Shaykh ʿAbd Allāh al-Jalālī
دروس للشيخ عبد الله الجلالي
Genres
•Islamic thought
Regions
•Saudi Arabia
كظم الغيظ والعفو عن الناس
يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤] والكظم معناه: الحبس، والغيظ معناه: أشد أنواع الغضب، وحينما يغضب هذا الإنسان لا لله ﷿ فعليه أن يكتم هذا الغيظ وهذا الغضب، ولكن حينما يكون هذا الغضب لله ﷿ ومن أجل دينه فلا يجوز أن يقف هذا الغضب عند حد العاطفة، وإنما ينتهي حتى تقام حدود الله ﷿؛ ولذلك ما غضب الرسول ﷺ غضبًا إلا أن تنتهك حرمة الله ﷿، ولا أظهر شدة إلا حينما يتعدى على حدود الله ﷿، والمسلم مطالب أن يكظم الغيظ؛ بل مطالب أن يكون غيظه وغضبه لله ﷿ ومن أجل دين الله، وإذا كان يغضب لأمر من أمور الدنيا فإن عليه أن يغضب لله ﷿ أكثر من ذلك.
قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]، والعفو صفة من صفات المؤمنين لاسيما في ساعة القدرة، وضعف المعفو عنه، فإن العفو أمر مطلوب؛ ولذلك حث الله تعالى على العفو والإحسان فقال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤].
ومن هنا تعالج مشاكل الناس بعضهم مع بعض، فالعفو عند المقدرة، والتجاوز والصفح عن الإساءة أكبر سبب وأكبر وسيلة يستطيع من خلالها المسلم أن يملك قلوب الناس، قال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، ولكن هذا العفو عند المقدرة لا يستطيعه إلا الصابرون، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥] أي: العفو عند المقدرة ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
وهذا العفو على نوعين: فقد حث الله ﷿ على العفو في القرآن، وحذر من العفو في مكان آخر، بل في موقعين متجاورين قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، وقال قبلها: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩].
فنستطيع من خلال هاتين الآيتين المتجاورتين أن نجمع بينهما إذا كان حق للإنسان فالعفو أفضل، بشرط ألا يراد بهذه الإساءة استذلال أحد من المسلمين، أما إذا أريد بالإساءة إذلال مسلم من المسلمين، أو كان هذا الحق ليس للإنسان وإنما هو لله ﷿، وكان غضبًا لدين الله، فالله تعالى أمر بالانتقام فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩].
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وهو إتقان العمل، ومراقبة الله ﷿ في الغيب والشهادة.
13 / 6