215

Durūs lil-shaykh ʿAlī b. ʿUmar Bā Ḥadḥad

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

صبرها رضي الله تعالى عنها على البلاء
يوجد الكثير من المناقب لـ فاطمة ﵂، لنرى قدوة للنساء، فالمرأة اليوم من أدنى عارض تجزع وتصيح وتتراجع ولا تكاد تحتمل شيئًا، أما فاطمة فهذه محطات من الابتلاء مرت فيها بنجاح منقطع النظير.
كلنا يعرف القصة الشهيرة المروية في السيرة لما ائتمر أبو جهل ومن معه من سفهاء قريش في شأن رسول الله ﷺ فقالوا: إذا سجد فضعوا سلا الجزور على رأسه وهو ساجد، وقام أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ففعل ذلك، فلما نمى إلى فاطمة الخبر -وهي التي كانت في بيته ﵊ تحركت -وكانت صغيرة في السن- فذهبت فألقت ذلك عن رسول الله ﵊ ونظفته وطيبته، فما رفع رأسه من السجود إلا بعد أن فعلت ذلك.
لقد كانت ترى صناديد قريش وهم يتعرضون له ﵊ بالأذى القولي والفعلي وتحتمل ذلك، وترى في صبر النبي ﵊ قدوتها وأسوتها ﵂ وأرضاها.
ثم بعد ذلك كانت مع النبي ﷺ في حصار الشعب الظلوم، عاشت ثلاث سنوات من أشد وأقسى السنوات التي مرت برسول الله ﷺ وأهل بيته والمسلمين الذين معه حتى أكلوا ورق الشجر، وحتى قرحت أشداقهم، ولقد روى سعد ﵁ أنه ذهب يتبول قال: فإذا أنا أسمع قعقعة فأخذتها فإذا هي شنٌ -يعني: قطعة من جلد- فأخذتها فغسلتها فدققتها فسففتها فكانت قوتي أيامًا.
هكذا كانوا وكانت فاطمة البنت الرقيقة الصغيرة الفتية في عمرها، وإذا كان قد تزوج بها علي وهي بنت خمس عشرة سنة في المدينة فكم كان عمرها إذ ذاك؟! كانت صغيرة ﵂ وأرضاها، فصبرت واحتملت ومرت بهذه الظروف العصيبة وشظف العيش وشدته تتأسى بأبيها ﵊.
ثم من بعد ذلك كان فقد الأم العظيمة في عام سماه أهل السير (عام الحزن)، فقد كان من أشد ما مر برسول الله ﷺ أن فقد زوجته خديجة أم المؤمنين ﵂ الحبيبة إلى قلبه المواسية له المؤازرة والمساندة له ﵊، وكان ذلك عظيمًا على أصغر البنات التي لم تكن تزوجت بعد وهي فاطمة ﵂، فصبرت واحتسبت ومضت مع رسول الله ﷺ.
ثم من بعد كانت هناك محطة رابعة في معاناة الهجرة الحزينة، فيوم هاجر رسول الله ﵊ لم يصحب معه بناته، ثم من بعد أرسل أبا رافع مولاه فأخذ زينب وفاطمة ﵄، فلحق بهم الحويرث الأشقى فنخز بعيرهما وآذاهما فسقطتا من عليه وقد وهت أجسادهما، وكانتا ضعيفتين، وهذا هو الذي أعلن النبي ﵊ عنه وعن نفر معه يوم فتح مكة أن يقتلوا ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، وذلك لما فعل هذا الشقي ببنات رسول الله ﷺ.
ومضت هذه الفتاة في ريعان شبابها تحتمل كل هذه الصعاب بإيمان عظيم وصبر جليل واحتساب للأجر عند الله ﷾، ومواصلة على الطريق دون جزع ولا تراجع ولا تضعضع ولا ضعف بحال من الأحوال.
ثم ماذا بعد ذلك؟ لقد كان موت الأخوة والأخوات، فإخوانها جميعًا ماتوا إبراهيم والقاسم أبناء النبي ﵊، وكذلك أخواتها واحدة إثر الأخرى وهي تشيع وتدفن ﵂ وأرضاها، والحزن يملأ قلبها فينصب على يقينها وإيمانها، فإذا بها ترضى بقضاء الله وقدره، لكن ذلك أمره عظيم.
وقد ورد في بعض الروايات أنها شهدت أحدًا، وكان لها شيء من المشاركة، ورأت ما رأت مما جرى لرسول الله ﷺ يوم شج رأسه ودميت قدماه ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وقال ﵊: (اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
ثم كان المصاب الأعظم الذي لم تتماسك بعده حتى أدركتها منيتها وحانت وفاتها، ذلك الحدث هو فقد الرسول العظيم ﷺ، يوم قالت فاطمة ﵂ عندما زارت النبي ﷺ: واكرباه! فقال ﵊: (لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة).
ثم لما قضى النبي ﷺ قالت: واكرب أبتاه، إلى جبريل ننعاه، جنة الخلد مأواه.
ثم لما دفن ﵊ قالت لـ أنس -كما في الصحيح-: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟! وفي بعض الروايات أنها ما رئيت مبتسمة بعد وفاته ﵊.
وسنذكر الآن بعض فضائلها وما جاء في هذه القصص العظيمة، فكانت صابرة ﵂ صبرًا عظيمًا يدلنا على ما ينبغي أن تتحلى به النساء المؤمنات من الصبر والاحتمال فيما يتعرضن له في طاعة الله ﷾ والثبات على هذا الدين، لا أن يكون ذلك برقة وضعف وخور كما نرى، نسأل الله ﷿ السلامة.

13 / 15