Durūs lil-shaykh ʿAlī b. ʿUmar Bā Ḥadḥad
دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح
•
Regions
•Saudi Arabia
شبهها بالنبي ﷺ ومكانتها في قلبه
كانت فاطمة شبيهة رسول الله ﷺ، فقد قالت عائشة ﵂: (ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهديًا ودلًا برسول الله ﷺ من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها) رواه أبو داود في السنن.
وفي رواية عند البخاري في الصحيح تخبر فيها عائشة بما كان من آخر أيام رسول الله ﷺ وتقول: (إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده جميعًا لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله ﷺ، فلما رآها رحب بها وقال: مرحبًا بابنتي).
وفي حديث مسور بن مخرمة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني) رواه البخاري في الصحيح، والبضعة: القطعة من اللحم.
وفي رواية من هذا الحديث في الصحيح أيضًا: (مضغة مني)، وفي رواية حذيفة: (شدنة مني) أي: قطعة من رسول الله ﷺ، فكان ﵊ ينص على ذلك ويذكره، وكانت عائشة ﵂ حبيبة رسول الله ﷺ تبصر الشبه وتدرك المقام وتعرف الصلة وتعرف وتدرك خفقات قلب رسول الله ﷺ لابنته الحبيبة الأثيرة ﵂.
وهذا ابن عباس ﵁ يروي أن المصطفى ﵊ دخل على علي وفاطمة ﵄ وهما يضحكان، فلما رأيا النبي ﵊ سكتا، فقال لهما ﵊: (ما لكما كنتما تضحكان فلما رأيتماني سكتما؟! فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول الله، قال هذا -تعني عليًا -: أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك.
فتبسم رسول الله ﵊، وقال: يا بنية! لك رقة الولد، وعلي أعز علي منك)، وهذا من بديع قوله وفصيحه ومن حسن مأخذه ﵊، (لك رقة الولد وعلي أعز علي منك)، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وفي رواية مسور الأخرى: (فاطمة شدنة مني يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها، وإنه تنقطع يوم القيامة الأنساب إلا نسبي وحسبي) أو كما قال ﵊، والحديث رجاله ثقات كما ذكره الهيثمي في المجمع.
وعن عمران بن حصين قال عمران: (إني لجالس عند رسول الله ﷺ إذ أقبلت فاطمة فقامت بحذاء النبي ﷺ -يعني: مقابلة له- فقال: ادني يا فاطمة فدنت دنوة، ثم قال: ادني يا فاطمة.
فدنت دنوة، فقال: ادني يا فاطمة.
فدنت دنوة حتى قامت بين يديه، قال عمران: فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها، وذهب الدم من شدة الجوع وشظف العيش.
قال: فبسط النبي ﷺ بين أصابعه ثم وضع كفه بين ترائبها -أي: عظام صدرها- فرفع رأسه وقال: اللهم! مشبع الجوعة، وقاضي الحاجة، ورافع الوضعة، لا تجع فاطمة بنت محمد.
قال عمران: فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها وظهر الدم، ثم سألتها بعد ذلك فقالت: ما جعت بعد ذلك يا عمران) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عتبة بن حميد وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات.
وهذا يدلنا على مكانتها ومحبة النبي ﷺ لها، وحسبنا بذلك منقبة وفضيلة وشرفًا وعزًا وكرمًا لا يدانيها فيها غيرها كما سيأتي في تعليل ذلك، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني -وقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب- قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه) لم؟ لأنها وحيدة بناته التي بقيت ﵂ وأرضاها.
وهذا ابن سعد في الطبقات يروي عن ابن أبي ثابت قال: كان بين علي وفاطمة كلام -أي: شيء من الخلاف- فدخل النبي ﵊ فألقوا له شيئًا فاضطجع عليه، فجاءت فاطمة فاضطجعت من جنب، جاء وعلي فاضطجع من جنب، فأخذ رسول الله ﷺ بيده ويدها فوضعها على سرته ثم أصلح بينهما، وخرج ﵊، فقيل: دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك! قال: (وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إلي) ﵄ وأرضاهما.
هكذا كانت فاطمة ﵂ شبيهة برسول الله ﷺ، وحبيبة إلى قلبه، وكانت مضرب مثله، ومضرب المثل لا يكون إلا في العزيز القريب الأثير، ألم يقل ﵊: (يا فاطمة بنت محمد! اعملي لا أغني عنك من الله شيئًا)؟ لم يخصها بالذكر؟ لقربها وحبها.
ألم يقل ﵊ يوم قصة المخزومية: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)؟ إنه يدل على تعظيمه ومحبته لها ﵊.
وذكر ابن حجر في الإصابة عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: كانت فاطمة أصغر بنات النبي ﷺ وأحبهن إليه، سئلت عائشة ﵂ -كما روى الترمذي في سننه بسند حسنه- فقيل لها: (أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ؟ قالت: فاطمة.
قيل: فمن الرجال؟ قالت: زوجها.
إن كان كما علمت صوامًا قواما).
وتكلم الذهبي في السير على صحة هذا الحديث، وإن كان قد حسنه الترمذي ورواه الحاكم وصححه.
وفي حديث بريدة: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة ومن الرجال علي.
قال إبراهيم النخعي: يعني: من أهل بيته.
ورواه الترمذي كذلك.
13 / 10