Durūs al-Shaykh Sayyid Ḥusayn al-ʿUffānī
دروس الشيخ سيد حسين العفاني
Regions
Egypt
تيسير الله سبحانه لطريق التوبة
الحمد لله حبيب قلوب التائبين، ومنتهى رغبة السالكين، ومحط آمال الراحلين.
من عظم التوبة عند الله ﷿: أن الله سهل سبيلها لهذه الأمة، فجعل مجرد الندم توبة، ولم يسهل طريقها على بني إسرائيل لما عبدوا العجل من دون الله ﷿، فلم يتب الله ﷿ عليهم حتى قام كل رجل منهم على الآخر بسيفه، فلم يأذن الله ﵎ في التوبة لعبده موسى إلا بعد قتل سبعون ألف يهودي، كما قال الله ﵎: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] يعني: اقتلوا إخوانكم ممن عبدوا العجل، وألقى الله ﵎ عليهم الظلمة، ثم أمسك الرجل من الذين لم يعبدوا العجل السكين وطعن بها من وجده ممن عبد العجل، سواء كان أباه، أو أخاه، حتى قتل سبعون ألف يهودي، ثم تاب الله ﵎ عليهم.
والنبي ﷺ يقول: (الندم توبة)، ويكفي أن يعلم الله ﷿ الصدق من قلبك فيتوب عليك.
وانظر إلى الذين تاب الله ﵎ عليهم كـ عكرمة بن أبي جهل الذي حاد الله ورسوله، وقاتل رسول الله ﷺ حتى أهدر النبي ﷺ دمه، ثم بعد ذلك من الله عليه بالتوبة، وقتل شهيدًا في سبيل الله ﷿.
وسيدنا خالد بن الوليد في معركة اليرموك يقول له: يا أبا عمرو استبقنا لنفسك، فيقول: إليك عني يا خالد، لقد قاتلت رسول الله ﷺ في كل معركة أفأفر اليوم عن الجنة!! من يبايع على الموت؟ فقتل، وقتل عمه، وقتل ابنه.
ويتوب الله على سجاح التي ادعت النبوة كما قال العلامة ابن كثير، بل وعلى طليحة الأزدي الذي ادعى النبوة، ولم يسلم إلا في عهد أبي بكر، وكان أحد أبطال معركة القادسية ومات شهيدًا بعد القادسية، فماذا تنتظر بعد ذلك وقد فتح باب التوبة على مصراعيها.
والأمر مع الله ﷿ ليس بالأيام، ولا بعدد السنين التي قضيتها في طاعته، فقد يتوب تائب اليوم ويعلي الله ﵎ درجته، فانظر إلى السحرة الذين كانوا في أول الأمر يقسمون برأس فرعون، ويعدون القرب من فرعون مغنمًا، ثم بعد ذلك يتوب الله ﵎ عليهم، فلما سجدوا نظروا إلى قصورهم في الجنة فقالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣].
أيها المؤمنون! لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم آلهة، جاء في الأثر: يا داود حببني إلى خلقي، قال: كيف يا ربي؟ قال: ذكرهم بنعمي عليهم، فإنهم لم يعرفوا مني إلا الجميل، يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورحمتي إياهم لتقطعت أوصالهم شوقًا إلي، هذه إرادتي في المدبرين عني، فكيف بالمقبلين علي! ادع إلى الله ﷿ لعل الله ينقذ بك أحد الشباب الضائعين فيكون في ميزان حسناتك، ويكون خيرًا لك من الدنيا وما فيها، حبب الله ﷿ إلى خلقه، لا تقنطهم من رحمة الله ﷿، لا تنظر في ذنب الناس كأنك إله، يسر الأمر على عباد الله ﷿، ووسع لهم طريق التوبة، وضيق أنت على نفسك بالخوف، كما كان الفضيل بن عياض، فقد رأى أهل الموقف وهم يبكون فبكى ﵀ إلى قبيل الغروب وهو قابض بيده على لحيته، ثم قال: واسوأتاه منك وإن عفوت، واخجلي منك حتى وإن غفرت لي حتى وإن تبت علي، ثم بعد ذلك يقول لـ شعيب بن حرب: من أسوأ الناس؟ قال: لا أدري، قال: من يظن أن الله ﷿ لا يغفر لهؤلاء، أفترى لو أن جماعة مثل هؤلاء أتوا إلى باب غني فسألوه دانقًا -أي: سدس درهم- أفكان يردهم مع بكائهم؟ قال: لا، قال: فوالله للمغفرة أهون على الله ﷿ من الدانق على هذا الغني.
هذا هو الفضيل بن عياض سيد من سادات الأمة، كان سيدنا سفيان بن عيينة إذا قابله يقبل يده، ويقبل رأسه، وسيدنا عبد الله بن المبارك يقول له: إيه لا يحسن هذا غيرك يا طبيب القلوب.
يقول عبد الله بن المبارك: كنت كلما قسا قلبي نظرت إلى وجه الفضيل، فجدد لي الحزن، فأمقت نفسي.
وقد كان الفضيل في أول أمره قاطع طريق، وكان عاشقًا للنساء، وبينما هو ذات ليلة يتسلق الجدار ليصل إلى معشوقته، سمع قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦]، فقال: آن الأوان، وتاب إلى الله وقبل العلماء يديه، هذا هو الفضيل بن عياض.
وكذلك بشر الحافي، كان الإمام أحمد إذا سئل عن مسألة من مسائل الزهد يقول: أتسألوني عن الورع وفيكم بشر؟! وقد كان في بداية أمره يستمع إلى الغناء وإلى الجواري، ثم مر عابد ببابه فقال لجاريته: لمن هذا القصر؟ قالت: لسيدها بشر، قال: عبد هو أم حر؟ قالت: حر، قال: صدقت يا بنيتي! لو كان عبدًا لاستعمل آداب العبودية، ولرأى حق العبودية، فسمعه بشر من بيته فخرج إلى الرجل حافيًا وتاب على يديه، ثم بعد ذلك ما لبس نعلًا في رجله، وقال: حالة وصلت إلى الله عن طريقها وعرفت الله بها، لا أفارقها أبدًا.
15 / 8