Durūs al-Shaykh Sayyid Ḥusayn al-ʿUffānī
دروس الشيخ سيد حسين العفاني
Regions
Egypt
تفضيل العلماء على المجاهدين
ويكفي أهل العلم شرفًا أنه عندما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مكانة العلماء في طبقات المكلفين ذكر مسألة وهي: هل العلماء أعظم منزلة أم المجاهدون؟ وكلنا يعلم منزلة المجاهد عند الله ﷿، وانتهى في بحثه وتحقيقه إلى أن العالم أفضل مكانةً من المجاهد، فإذا كانت الأبواب مغلقة تمنعك من الذهاب للجهاد ونصرة إخوانك في كل مكان فهناك أبواب مفتوحة فجاهد فيها، ومنزلتها أعظم، ولعل الله ﷿ يغير على يديك وبعلمك من يقود الأمة، فربما يقعد طفل صغير بين يديك لتعلمه وترشده وتثبته على طريق الحق، فيكون سببًا لهداية الأمة.
ونحن نذكر قصة الغلام الذي هداه الله ﷿ على يد راهب، فكان هذا الغلام سببًا لهداية الأمة كلها، حتى قال له الراهب: أي بني! إنك اليوم صرت أعظم مني وأفضل.
وهذا دليل على صدق هذا الرجل في تعليمه للغلام، ولم يدخله غيرة ولا حسد، ولكنه قال للغلام: أنت اليوم أفضل مني.
ولا يتسع الوقت لأن نحكي هذه القصص، فكلها والحمد لله قصص مشهورة، ولكن هذا الغلام كان سببًا هدى الله ﷾ الناس على يديه بعدما وصل الأمر إلى الملك، ثم كان ما كان حتى قال الناس جميعًا: آمنا برب الغلام.
فأبواب الخير عند الله ﷿ كثيرة، ولا تدري من أي باب ينصر الله ﷿ دينه، فرب طفل صغير أو إنسان يتعلم على يديك يكون سببًا لنجاة الأمة، ويكون سببًا لفتح باب الجهاد في سبيل الله ﷿، فلا تترك أنت هذا الباب، وباب العلم مفتوح والحمد لله، وكتب العلم كثيرة، والعلماء بين يديك فاجلس واطلب العلم.
وقد استدل ابن القيم في تحقيقه أن العلماء أعظم منزلة من المجاهدين بقوله ﷺ: (العلماء ورثة الأنبياء)؛ لأن الذي يرث الميت أقرب الناس إليه، فهم أقرب الناس إلى النبي ﷺ؛ لأنهم ورثوا العلم، وقال ﷺ: (وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم).
قال: وأيضًا فإن العالم في جهاد مستمر لا كالمجاهد في المعركة، بل حتى وهو نائم يجاهد، فحياته كلها في جهاد مع أهل البدع والفرق، ومع أهل الملل والنحل، فيرد الشبهات عن الأمة ويدفعها عنها.
وقد كانت الشبهات من قريب عن اللحية والنقاب والسواك، ولكن كثر الكلام الآن، فهم الآن يتكلمون في أصول الدين، وفي العقائد، وفي مصادر الإسلام، ويتكلمون عن البخاري ومسلم، وعن كتب السنة التي هي الأصول، ويتكلمون عن الشرائع، وعن الحج، كالذين يقترحون على الناس أن يقسم يوم عرفة على سبعين يومًا؛ من أجل الزحام.
ومنهم من يحاول أن يمنع الناس من أداء الحج والعمرة؛ بحجة أن هذه الأموال التي تنفق صرفها على الفقراء والمرضى أولى، ومن ثم لا يضيع اقتصاد الأمة، حيث تنفق في هذه الرحلة أكثر من مليار، ونحن محتاجون لها؛ إذ علينا ديون، ونسي حديث النبي ﷺ: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب)، ومن غير العلماء سيدفع عن الأمة هذه الشبهات إذا كان كل أحد فيها همه جمع الأموال ولا يشبع من المال الذي يجمعه، وكما قال النبي ﵊: (لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لتمنى أن يكون له ثانٍ، ولو كان له واديان لتمنى أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب).
وإذا رزقت القناعة فهذا هو الكنز الذي لا يفنى، فإنك إذا رزقت القناعة فلقمة من كسرة تكفيك، وإن لم ترزق القناعة فمال الأرض كله لا يكفيك، وستظل ترى الفقر أمام عينك.
ومن الشبهات: أن هناك من يقول: إن الهندوس بشر مثلنا، ولهم دين مثل ما لنا نحن دين، ولهم رب يرحمهم مثل ما لنا نحن رب يرحمنا، مع أنهم يتكلمون في العقائد وفي المسائل التي نقول عنها: إنها معلومة من الدين بالضرورة، ويعلمها العامي والعالم والصبي والصغير والكبير.
إذًا: فلابد من الصدق في طلب العلم، وبذل كل أوقاتنا وحياتنا في سبيله.
إن مجيئك إلى المسجد نعمة كبيرة جدًا وفضل من الله واصطفاء واختيار منه ﷿، فربنا اصطفاك من وسط هؤلاء الناس جميعًا لأن تكون في المسجد في طاعة لله ﷿.
أسأل الله ﷾ أن يرزقني وإياكم الصدق في القول والعمل، وأن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
14 / 24