Durūs al-Shaykh Sayyid Ḥusayn al-ʿUffānī
دروس الشيخ سيد حسين العفاني
Regions
Egypt
الحياء من الله تعالى
والاستحياء يكون من الله ﷿ ومن الناس ومن الملائكة ومن النفس.
فأما الاستحياء من الله ﵎، فكما جاء في حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: (أيها الناس! استحيوا من الله ﷿، قالوا: يا رسول الله! إنا لنستحيي من الله ﷿، قال: ليس ذاكم، ولكن من استحيا من الله ﷿ فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا).
وأركان الحياء من الله ﵎: (فليحفظ الرأس وما وعى)، فالرأس وما فيه من جوارح تحفظها لله ﷿، حتى الخطرات وحديث النفس تحفظه لله ﷿، وأول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم، فاحفظ حديث النفس لله ﷿، يقول بعضهم: ظللت عشرين سنة حارسًا لنفسي من الخطرات، أي: يحاسب نفسه على الخطرات.
فيا أخي! إذا مرت بك الوساوس والخطرات فاضبطها بضابطين من الكتاب والسنة.
فيحفظ الرأس وما وعى، فلا يتأثر بأفكار الصحف الصفراء التي هي من ضمن الثقافات الضرار.
(والبطن وما حوى) يعني: لا يدخل في بطنه وفي جوفه إلا الحلال، فيبحث عن الحلال ويدقق في هذه المسألة.
(وأن يذكر الموت والبلى)، فمن ذكر الموت هانت عليه شهواته.
(ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا)، فيستحي من الله ﷿ أن يراه مرابطًا على مفسدة، مقيمًا على جيفة، عاكفًا على دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضه، فيستحي من الله ﷿ أن يراه ملتفتًا إلى الدنيا، والدنيا لعب ولهو، واللعب واللهو لا يليق بمن شبوا عن الطوق وتركوا دنيا اللعب للصغار، فيعلم أن الملك يدعوه إلى جواره في أرض غرس غراسها الرحمن بيده، فكيف يراه منشغلًا بالدنيا وقد عكف قلبه على محبتها؟ ويقول النبي ﷺ: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره).
قبل سنة (١٩٨١م) كنت تجد الأخ يساوي ١٠٠٠ أخ من هذا الوقت، كنت تجد عشرة فقط في مدينة أو في محافظة أقاموا دعوة، لكن في هذا الوقت نقول: الله المستعان على ضعف الهمم وموت القلوب، فابك على موت قلبك.
فاستح أن يسبقك غيرك إلى الله ﷿، وأن يدعوك الملك إلى جواره وأنت بعيد بهمك عن مولاك: يا من يشير إليهم المتكلم وإليهمُ يتوجه المتظلم وشغلتم قلبي بكم وجوارحي وجوانحي أبدًا تحن إليكم وإذا نظرت فلست أنظر غيركم وإذا سمعت فمنكم أو عنكم وإذا نطقت ففي صفات جمالكم وإذا سألت الكائنات فعنكم وإذا رويت فمن طهور شرابكم وبذكركم في خلوتي أترنم يقول النبي ﷺ كما في حديث أبي عامر الألهاني: (يأتي أناس بأعمال مثل جبال تهامة بيضاء يجعلها الله هباء منثورًا، فقالوا: يا نبي الله! جلهم لنا، صفهم لنا ألا نكون منهم ولا نعرف، قال: أناس من جلدتكم لهم حظ من الليل، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)، فاحذر أن تكون وليًا لله في العلانية عدوًا له في السر، وأن تكون حالك مثل حال كنيف مزين بالسراميك وباطنه وحشوه القاذورات، فلا تتجمل للناس وتطلع الله على القبيح من أمرك، فلم جعلت الله أهون الناظرين إلك؟ أفكان الله ﷿ أهون عليك من بعض خلقه؟ لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى كبرياء من واجهته به.
وموقف لك لا تنساه أبدًا وإن نسيت نفسك، وهو موقفك بين يدي الله ﷿، كما جاء في حديث عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم أحد إلا سيخلو بربه ليس بينه وبينه ترجمان).
فهذا الموقف لن تنساه أبدًا، فليكن ولاؤك المطلق وخوفك المطلق وحياؤك المطلق من الله ﷿، فاعمل لهذا اليوم حتى لا يموت القلب، وحتى لا يموت الورع، يقول الجراح قائد الجيوش الأموية: تركت الذنوب أربعين سنة حياء من الله ﷿، ثم أدركني الورع.
أي: بعد أربعين سنة من علي بالورع في النظر، وفي الشم، وفي الكلام.
فهذا المقام إن ذكرته وجعلته منك على بال فلن تقرب المعصية أبدًا، ومثلما تميت الذنوب الحياء فكذلك الحياء لا يأتي إلى فاسق أو فاجر أبدًا.
يقول ابن دقيق العيد: والله ما تكلمت كلمة ولا فعلت فعلًا منذ أربعين سنة إلا وأعددت له جوابًا بين يدي الله ﷿.
ولذلك كان من مقام المراقبة أن تقول: الله ناظر وشاهد ومطلع علي، وهذا درجة من درجات الحياء، وهذا مثل المرأة التي راودها رجل على الفاحشة، فقالت: انظر هل يرانا من أحد؟ فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت له: فأين مكوكبها؟ ورجل خلا بامرأة بعد أن نام أهل القافلة وكانت في طريقها إلى الحج، وقال لها: ما أتيت في هذه القافلة من أجل حج ولا غيره، وإنما أتيت فيها لتخرجي فيها فأخلو بك، فقالت: انظر هل نام أهل القافلة جميعًا؟ فقال لها: نعم، قالت: انظر فهل نام الله؟ ثم صعقت المرأة وغشي عليها، فولى الرجل هاربًا.
12 / 18