311
هجرة عمرو وبيان أنواع الهجرة في الإسلام وبيان أحكامها
أما علمت أن الهجرة يا عمرو بن العاص تجب ما كان قبلها، وتهدم ما كان قبلها، وتغفر ما كان قبلها؟ والهجرة هجرتان: هجرة ظاهرة، وهجرة باطنة، ولذلك قال النبي ﵊: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
وقال النبي ﵊: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية) أي: لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار إسلام وإيمان، فلا هجرة منها إلى قيام الساعة؛ لأنها لا تكون في يوم من الأيام بلد شرك ولا كفر، إشارة إلى أن مكة وساكنيها بلد إيمان وتوحيد وإسلام إلى قيام الساعة، لا يؤثر فيها كفر ولا شرك بالله تعالى، ولذلك قال: لا هجرة منها.
فمن زعم الآن أو بعد الآن الهجرة من مكة بما وقع فيها من شرك أو كفر، فهذا غلو في دين الله ﷿، ونقض للأدلة بالأهواء والآراء، وهيهات هيهات أن يصح له قول، أو يقبل منه زعم، فإن مكة بلد حرام إلى قيام الساعة، كما أن المدينة كذلك حرم ما بين عير إلى ثور، حرم ما بين لابتيها.
لكن الهجرة الظاهرة باقية ما بقيت الدنيا إلى قيام الساعة من بلاد الكفر والشرك إلى بلاد الإيمان والتوحيد والإسلام.
الهجرة باقية بقاء الزمن، وبقاء الدهر، فيجب على كل من خشي على دينه في بلد كفر أن يهاجر منها إلى بلاد الإيمان والإسلام، التي يأمن فيها على دينه، ولا يزال قوم يلهجون ويهرفون بما لا يعرفون، يقولون: نهجر بلاد الإسلام والمسلمين إلى بلاد أوروبا وأمريكا؛ لأننا نأمن على ديننا في تلك البلاد!
الجواب
هذا قول بالهوى، والنبي ﵊ قال: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين ثلاثًا).
فإذا فتحت باب الهجرة إلى تلك البلاد التي هي بلاد كفر وشرك وعصيان لله ﷿، فيحرم على أبناء المسلمين أن يدخلوا هذا الباب لطلب الدنيا، وطلب الدولار والدينار والدرهم فيها، فإن هذا لا يحل لهم بحال.
أما من ذهب إلى تلك البلاد ليدعو الناس، وليكون سببًا لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور التوحيد والإيمان فحسن، وقد أرسل النبي ﵊ بعض أصحابه إلى اليمن وإلى الشام وغيرهما من البلدان يدعون الناس إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام والأوثان، ومن ذهب للدعوة يشترط ألا يستقر، ولا بأس أن يصحب معه زوجته حتى لا يفتن بالجميلات البيضاوات ذوات الشعور الصفراء، والعيون الزرقاء، فتن عظيمة تعرض عليك هناك بالليل والنهار، فينبغي أن تقضي مصلحتك، ثم تفر بدينك منها، تذكر الناس بين الحين والحين بما أوجب الله ﵎ عليهم، تدعو الناس إلى الدخول في الإسلام، تدعو المسلمين إلى الالتزام بأحكام شرعهم ودينهم.
هذا الذي يجب على الدعاة إلى الله ﷿.
أما سائر الناس الذين ذهبوا ليطلبوا الدنيا، فما فيهم من خير قط إلا ما ندر، وإذا ذهبت إلى هناك وجدت أن أصحاب الالتزام أقل واحد منهم قد وقع في كبيرة إلا من رحم الله وقليل ما هم، لم؟ لأنه يحب الدنيا، ويكره الموت، يكره الآخرة ويكره بلاد الإسلام، بلاء عظيم جدًا يقع فيه المرء، الهجرة الظاهرة من بلاد الكفر هناك إلى بلاد الإسلام، وبلاد المسلمين، يكفي أنك في بلاد الإسلام تصلي وتصوم، يكفي أنك في بلاد الإسلام تسمع الأذان الذي ربما لا تسمعه في بلاد الكفر أعوامًا.
ولقد التقينا برجل -وقس عليه آلاف- لم يصل الجمعة منذ سبعة عشر عامًا، أين هذا من الدين؟ والنبي ﵊ يقول: (من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه).
أما يخشى من هذا الوعيد؟ هذه هجرة ظاهرة انقطعت من مكة بفتحها، ولم تنقطع من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان إلى قيام الساعة.
جاء عند البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه).
وعند أبي داود: (والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه).
وعند أحمد في مسنده: (والمهاجر من هجر السيئات).
وهذه هي الهجرة الباطنة، ربما تظاهر المرء بترك السيئات إذا اطلع عليه الناس، ويتظاهر بالورع والخشوع والإقبال، وإذا خلا بالله ﷿ انتهك محارمه.
فالهجرة الحقيقية أن تصدق في ترك المعاصي وهجران السيئات فيما بينك وبين الله ﷿، قال ذلك النبي ﵊ حتى لا يتكل أصحابه الذين هاجروا مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة، لا يتكلوا على الهجرة الظاهرة، وليعلموا أن الهجرة لا تتم وتكمل إلا بهجر الذنوب والمعاصي.
أو أن النبي ﵊ قال ذلك تطييبًا لخاطر أصحابه الذين لم يهاجروا من مكة إلى المدينة أو غيرها من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، أن الهجرة الحقيقية الكاملة التامة هي أن تهجر المعاصي، وأن تهجر الذنوب إذا ما دعاك إلى ذلك الشي

21 / 5