وقال غيره: قالوا: "لا تدفع شيئًا قدَّره الله ولكنها تشفع"١.
وهذه حجة واهية آلت إليهم عن طريق الإلف والعادة المتوارثة عن أسلافهم.
قال أبو جعفر بن جرير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ "فقل: أفرأيتم أيها القوم هذا الذي تعبدون من دون الله من الأصنام والآلهة ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ بِضُرٍّ﴾ يقول: بشدة في معيشتي وكثرة مالي، ورخاء وعافية في بدني هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك الرحمة؟ وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، ودلالة ما ظهر من الكلام عليه، والمعنى: فإنهم سيقولون لا، فقل حسبي الله مما سواه من الأشياء كلها إياه أعبد، وإليه أفزع في أموري دون كل شيء سواه فإنه الكافي وبيده الضر والنفع لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر، ولا تنفع" أ. هـ٢.
فالآية تضمنت اعتراف المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بأن الله - تعالى - هو الخالق للكون وحده دون سواه، كما تضمنت بيان عجز الآلهة التي يعبدونها عن أن تجلب لهم نفعًا، أو أن تدفع عنهم شرًا، وورد هذا كثير في القرآن الكريم، فقد كانوا أيضًا يعترفون بأن الله تعالى هو الرازق النافع، الضار، ومع ذلك يعبدون غيره معه.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣. هذه الآية استجوبت المشركين عن أمور أربعة:
الأمر الأول: عن مسبب الأرزاق في السموات والأرض لأنها إنما تحصل الأرزاق من السماء والأرض، أما السماء فبإنزال الأمطار، كما قال تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
١- الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٥٩.
٢- جامع البيان ٢٤/٧.
٣- سورة يونس آية: ٣١.
٤- سورة الجاثية آية: ٥.