وفي الموطأ مرفوعًا وهو أحد الأحاديث الأربعة المقطوعة "إذا نشأت سحابة بحرية فتلك عين غديقة"١. فالله سبحانه ينشئ الماء في السحاب إنشاء تارة بقلب الهواء ماء وتارة يحمله الهواء من البحر فيلقح به السحاب ثم ينزل منه على الأرض للحكم التي ذكرناها ولو أنه ساقه من البحر إلى الأرض جاريًا على ظهرها لم يحصل عموم السقي إلا بتخريب كثير من الأرض ولم يحصل عموم السقي لأجزائها فصاعده - سبحانه - إلى الجو بلطفه وقدرته ثم أنزله على الأرض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمته على الأرض" أ. هـ٢.
وقد لفت القرآن أنظار العباد إلى النظر في إنزال المطر من السماء في مواضع كثيرة من كتابه قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٣.
ففي هذه الآية نبه الله عباده إلى أن يستعملوا عقولهم في التفكير في سوقه تعالى السحاب وجمعه بعد تفرقه بتأليف بعضه إلى بعض ثم ينزل المطر من خلاله ثم ينشئ الله على أثره نعمًا كثيرة فيها الخير الكثير للإنسان والحيوان وكل ذلك يدل على وجود إله قادر بيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٤.
وفي هذه الآية يخبر تعالى أنه يرسل الرياح لواقح ولقحها حمل الماء وإلقاحها السحاب والشجر عملها فيه.
قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: يرسل الله الرياح فتحمل الماء فتجري السحاب فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر. وقال أيضًا ﵁: يبعث الله الريح فتلقح السحاب ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر٥.
١- الموطأ ص٩٥.
٢- مفتاح دار السعادة ١/٢٢٣ - ٢٢٤.
٣- سورة النور آية: ٤٣.
٤- سورة الحجر آية: ٢٢.
٥- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٤/٢٠.