ثم وصف تعالى ذكره نفسه: بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد وعرف عباده كيف كان مبدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة وأن بعضهم من بعض" أ. هـ١.
فإنشاء جميع البشر على كثرتهم الهائلة من نفس واحدة آية بينة على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته وذلك من نعم الله على عباده فيجب عليهم أن يشكروا تلك النعمة وهي خروجهم من العدم إلى الوجود ويفردوه - سبحانه - بالعبادة وحده لا شريك له.
٥ - تذكير العباد بمرحلة التكوين في الأرحام:
لقد جاء التذكير في السورة لبني آدم بأطوار خلقهم التي يمرون بها وتمر بها الحيوانات عند خلقها مع التفاوت في تلك الأطوار وقد أحيطت بظلمات متعددة في البطون، والأرحام، والمشايم، والسلي تحت العناية الربانية كما أبانت بأن الذي يفعل بهم ذلك إنما هو الله الذي له السلطان المطلق على جميع خلقه، والذي له الملك الحقيقي ظاهرًا وباطنًا فلا معبود بحق إلا هو ﷾ فلا ينبغي لأي إنسان أن ينصرف عن عبادته وعن إخلاص العبودية له - وحده لا شريك له - إذ هو الذي خلقهم من العدم وحباهم بأصناف النعم الظاهرة والباطنة وليس في مقدور أي أحد أن يفعل لهم من ذلك شيئًا مهما كانت منزلته وعلت مكانته.
قال تعالى مذكرًا عباده بمرحلة تكوينهم في بطون أمهاتهم في الظلمات الثلاث: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ . قال قتادة والسدي: " ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا ثم لحمًا"٢.
وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يبتدئ خلقكم أيها الناس في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق وذلك أنه يحدث فيها نطفة، ثم يجعلها علقة، ثم مضغة ثم عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخر فتبارك الله وتعالى فذلك خلقه إياكم خلقًا من بعد خلق"٣.
١- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٤/٢٢٣ - ٢٢٤.
٢- الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٦، وانظر مجموع الفتاوى ١٦/٢٦٢.
٣- جامع البيان ٢٣/١٩٥.