الثاني: الحاكم الجائر المغيِّر لأحكام الله - تعالى - وقد ذم الله من تلبس بذلك قال - تعالى - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ١.
قال العلامة ابن كثير: بعد أن ذكر أنها نزلت فيمن طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف أو إلى حاكم الجاهلية وغير ذلك قال: "والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت ههنا" اهـ٢.
وقد أقسم الباري - سبحانه - بنفسه على عدم إيمان من لم يحكم الرسول ﷺ قال - تعالى ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣.
قال العلامة ابن القيم "أقسم - سبحانه - بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والإعتراض فهنا قد يحكِّم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه، ولا يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والإنقياد إذ قد يحكمه وينتفي الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه، والتسليم أخص من انتفاء الحرج، فالحرج مانع، والتسليم أمر وجودي ولا يلزم من انتفاء الحرج حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغًا منه ومن الرضى به والتسليم له، فتأمله وعند هذا يعلم أن الرب ـ
١- سورة النساء آية: ٦٠.
٢- تفسير ابن كثير ٣/٣٢٧.
٣- سورة النساء آية: ٦٥.