يتوجهوا نحو الكعبة، فيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس؛ إذ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ، وأئمة التابعين من ينكر أن تكون نزلت في ذلك المعنى، ولا خبر عن رسول الله ﷺ ثابت بأنها نزلت فيه، وكان الاختلاف في أمرها موجودًا على ما وصفت، ولا هي إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا قامت حجتها بأنها منسوخة، إذ كانت محتملة ما وصفنا بأن تكون جاءت بعموم، أو معناها في حالٍ دون حالٍ إن كان عني بها التوجه في الصلاة، وفي كل حالٍ إن كان عني بها الدعاء، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا.
قال ﵀: وقد دللنا في كتابنا "كتاب البيان من أصول الأحكام" على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله ﷺ إلا ما نفي حكمًا ثابتًا، وألزم العباد فرضه غير محتمل لظاهره، وباطنه غير ذلك، فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص أو العموم، أو المجمَل أو المفسَّر، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل بما أغني عن تكريره في هذا الموضع، ولا منسوخ إلّا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه، ولم يصحّ واحد من هذين المعنيين لقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ بحجة يجب التسليم لها، فيقال فيه: هو ناسخ أو منسوخ". أ. هـ١.
وبعد، فهذه هي الآيات التي قيل إنها منسوخة، وقد عرفت من خلال ما تقدَّمَ أن المنسوخ منها قليل على مفهوم النَّسْخِ عند المتأخرين.
ولو قارنا بين مفهومه عند السلف والخلف لخرجنا بهذه النتيجة، وقلنا -ونحن مطمئون: إن النَّسْخَ واقع في القرآن الكريم لحكمة سامية اقتضاها حال المؤمنين يوم أن كان القرآن ينزل على النبي ﷺ، لكن المنسوخ من الآيات آيات تُعَدُّ على الأصابع، وإذا نظر إلى مفهوم النَّسْخِ عند المتقدمين وعند المتأخرين جزمنا، أو كِدْنَا نحزم أن الخلاف بين القائلين به والمنكرين له لفظي أو اصطلاحي. والله ﵎ أعلم.
١ انظر "جامع البيان" ج١ ص٥٠٢، ٥٠٥.