276
وجاء في حديث طويل رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، عن عائشة ﵂ قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة -تعني: سورة المزمل- فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا من بعد فريضة".
وقد كان قيام الليل فرضًا على النبي ﷺ وحده، كما يقول ابن كثير وغيره، بمقتَضى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ١.
فكان يقوم من الليل ما شاء الله أن يقوم، كما أمره ربه في أول سورة المزمِّل، واقتدى طائفة من أصحابه به فقاموا بقيامه حتى نُسِخَ قيام الليل بالصلوات المفروضة، وصار قيام الليل نافلة.
أخرج بن جرير عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أجعل لرسول الله ﷺ حصيرًا يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به فاجتمعوا، فخرج كالمغضب، وكان بهم رحيمًا، فخشي أن يُكْتَبَ عليهم قيام الليل، فقال: "أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديم عليه".
ونزل القرآن:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ .
حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردَّهم إلى الفريضة، وترك قيام الليل"٢.
٢٣- وألحق السيوطي بالآيات المنسوخة قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ ٣ فإنها على رأي ابن عباس -كما قال- منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ .

١ الإسراء: ٧٩.
٢ جامع البيان ج٢٩ ص٧٩.
٣ البقرة: ١١٥.

1 / 280