وحيث أمكن الجمع فلماذا نعدل عنه إلى القول الذي يرتضيه قوم وينكره آخرون.
٦- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١.
قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٢.
والأصح أنها ليست منسوخة، فالآية الثانية بيان لها؛ فقد وقع في نفوس المؤمنين أنهم سيحاسبون على كل ما يخطر في ضمائرهم من سوء، كما يحاسبون على كل ما تبديه أنفسهم من شرٍّ وإن لم يمكنهم دفعه، فبيَّن الله ﷿ في الآية الثانية أنه لا يحاسبهم إلَّا على ما يمكنهم دفعه من الخواطر؛ إذ على المؤمن أن يدفع وساوس الشيطان أولًا بأول، ولا يسمح لها أن تتحول إلى إرادة، ثم إلى عزم، ثم إلى فعل؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٣.
والدليل على ما ذكرناه من عدم النَّسْخِ ما رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ دخل قلوبهم منها شيء، فقال النبي ﷺ: "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا"، قال: "فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال: قد فعلت. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قال: قد فعلت. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت.
واستدل القائلون بالنَّسْخِ بما رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
١ سورة البقرة: ٢٨٤.
٢ البقرة: ٢٨٦.
٣ الأعراف: ٢٠٠-٢٠١.