248
١- نسخ الأمر بتقديم الصدقة بين يدي الرسول ﷺ، فقد قال الله ﷿ في سورة المجادلة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ١.
ثم نُسِخَ حكمها في الآية التي بعدها، دون أن يأتي بتكليف آخر يحلُّ محلَّ التكليف الأول، وذلك في قوله -جل شأنه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
فقد أكثر المسلمون من سؤال النبي ﷺ، وكان كل واحد منهم يريد أن يجلس بجواره ويناجيه، فثقُلَ ذلك على رسول الله ﷺ، فأراد الله ﷿ أن يحول بينهم وبين هذه المناجاة بطريقة مُثْلَى، فيها تهذيب لنفوسهم، وتعليم لهم بما يجب له ﷺ من التعظيم والتبجيل، والأدب معه في الحديث، وتحرِّي الأوقات التي يسألون فيها عَمَّا يَعِنُّ لهم، فأمرهم بتقديم الصدقات عند المناجاة، وكان أكثرهم لا يملك ما يتصدَّق به، فاعتذل أكثرهم مناجاته لعدم وجود الصدقة، ولزم كل واحد مجلسه ﷺ دون أن يفكِّر في مزاحمته والإسرار إليه كما كان يفعل من قبل، ثم نُسِخَت هذه الفريضة من غير بدل، فدلَّ هذا على وقوع النَّسْخِ إلى غير بدل.
قال سعيد عن قتادة ومقاتل بن حِبَّان: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدِّم بين يديه صدقة، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ذكره ابن كثير في تفسيره.
وفي رواية الطبري: "فوعظهم بهذه الآية" بدلًا من قوله: "فقطعهم"٣.
"وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد، قال علي ﵁: آية في

١ آية: ١٢.
٢ المجادلة: ١٣.
٣ انظر ج٨ ص٧٦، ط. الشعبي، وانظر الطبري ٢٨/ ١٥.

1 / 252