المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث:
اتفق أهل السُّنَّة على أَنَّ نبينا محمدًا ﷺ لا يُورَث (١)، أخذًا بأحاديث المسألة (٢)،
وشذَّت الشيعة (٣)، فقالوا: بل يُورَث. وأنكروا أحاديث المسألة، وطعنوا على أبي بكر الصديق ﵁ في روايته لها. (٤)
واختلف أهل السنة في بَقِيَّةِ الأنبياء ﵈ هل يُورَثون أم لا؟ على ثلاثة مذاهب:
= ص (٢٧٩)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس (٣/ ٦٣)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ١٠)، وعمدة القاري، للعيني
(١٧/ ١٣٠)، (٢٣/ ٢٣٢)، والصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، لابن حجر الهيثمي (١/ ١٠١)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٦/ ١٩٧).
(١) حكى الاتفاق: ابن حزم في "الفصل" (٣/ ٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ١٧٤ - ١٧٥).
(٢) والحديث الأول متواتر، كما نص على ذلك الكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، ص (٢٢٧ - ٢٢٨)، وعزا القول بتواتره للحافظ ابن حجر في أماليه.
(٣) الشيعة هم: الذين شايعوا عليًا ﵁ على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًا ووصية، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده، وقالوا: إن الإمامة هي ركن الدين، لا يجوز للرسل ﵈ إغفالها وإهمالها، ولا تفويضها إلى العامة وإرسالها. ويجتمع الشيعة على القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا، عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري، قولًا وفعلًا وعقدًا إلا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك، وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية، وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه. انظر: الملل والنحل، للشهرستاني، ص (١٦٩ - ١٧٠).
(٤) مذهب الشيعة - في وراثة النبي ﷺ يقرره الشيعي الطبرسي في كتابه "مجمع البيان" (٦/ ٥٠٣)، حيث يقول - في تفسير قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [مريم: ٦]-: "واستدل أصحابنا بالآية على أن الأنبياء يُورَثون المال، وأن المراد بالإرث المذكور فيها إرث المال دون العلم والنبوة، فلفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يُطلق =