Al-aḥādīth al-mushkila al-wārida fī tafsīr al-Qurʾān al-karīm
الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم
Publisher
دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٣٠ هـ
Publisher Location
المملكة العربية السعودية
Regions
Lebanon
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي - من وجهين:
الأول: أنه خلاف ظاهر القرآن؛ لأنَّ ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مُطلقًا، فهو أعم من كونه في الدنيا، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع، إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
الوجه الثاني: أَنَّ القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة، كقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩» [الملك: ٨ - ٩]، وهو دليلٌ على أَنَّ جميع أفواج أهل النار ما عُذِّبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل.
وأجابوا عن الوجه الثاني - وهو أَنَّ محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد - بالجوابين المذكورين آنفًا نفسيهما؛ لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالفٌ لظاهر القرآن، فلا بُد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأنَّ الله نَصَّ على أَنَّ أهل النار ما عُذِّبوا بها حتى كذَّبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح.
وأجابوا عن الوجه الثالث - وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أُرسلوا قبله ﷺ - بأنه قول باطلٌ بلا شك؛ لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه، لأنَّ مقتضاه أنهم أُنذِرُوا على ألسنة بعض الرسل، والقرآن ينفي هذا نفيًا باتًا في آيات كثيرة، كقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦» [يس: ٦]، وكقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص: ٤٦]، وكقوله: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤» [سبأ: ٤٤]، وكقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [السجدة: ٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما قول النووي: "من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره"، فإنَّ قوله هذا فيه تناقض؛ لأنَّ من بلغتهم الدعوة فليسوا بأهل فترة، وقد أشار إلى ما في كلام النووي من
1 / 298