Bughyat al-Īḍāḥ li-Talkhīṣ al-Miftāḥ fī ʿUlūm al-Balāgha
بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة
Publisher
مكتبة الآداب
Edition
السابعة عشر
بحكم التغليب، وكقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] بتاء الخطاب، غُلِّب جانب "أنتم" على جانب "قوم"١. ومثله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] فيمن قرأ بالتاء٢. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] غلب المخاطبون في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ على الغائبين٣ في اللفظ، والمعنى على إرادتهما جميعا؛ لأن "لعل" متعلقة بـ "خلقكم" لا بـ "اعبدوا"٤، وهذا من غوامض التغليب. وكقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] فإن الخطاب فيه٥ شامل للعقلاء والأنعام، فغلب فيه المخاطبون٦ على الغُيَّب٧ والعقلاء٨ على الأنعام٩. وقوله تعالى ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يبثّكم ويُكثركم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد
١ قيل: إن ذلك التفات من الغيبة إلى الخطاب، ورُدّ بأن الخطاب فيه مسبوق بخطاب مثله، فلم يجر على خلاف السياق حتى يكون التفاتا.
٢ غلب فيها خطاب النبي في قوله تعالى قبل ذلك: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ على من ورد ذكرهم قبله في قوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ .
٣ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ . والمخاطبون هم الناس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهم أمة دعوة النبي ﷺ.
٤ فلو تعلقت به لم يكن ذلك من التغليب؛ لأنه يراد به المخاطبون وحدهم.
٥ أي: في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ .
٦ أي: في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ .
٧ هم: الأنعام.
٨ هم: المخاطَبون.
٩ لأنه جمع ما لا يعقل؛ فالأفصح فيه إفراد الضمير العائد عليه، لكنه غلب عليه العقلاء، فجمع الضمير.
1 / 174