236

Daʿwat al-rusul ʿalayhim al-salām

دعوة الرسل عليهم السلام

Publisher

مؤسسة الرسالة

Edition

الأولى ١٤٢٣هـ

Publication Year

٢٠٠٢م

وكما اختلف العلماء في تحديد مدة البلاء، اختلفوا في صوره وأنواعه، وبخاصة ما كان في بدنه، ويذهبون في ذلك إلى آراء كثيرة، أوصلها الإمام القرطبي إلى خمس عشرة صورة.
والذي أراه -والله أعلم- أن الله ابتلى أيوب ﵇ فصبر حتى صار يضرب بصبره المثل، وكان مما ابتلى به المرض، وأراه مرضا لا ينفر الناس منه، ولا يلحق به نقصا في شخصه، فهو ﵇ رسول، مكلف بدعوة الناس، ولو كان به نقص ذاتي، أو مرض منفر، لاعتذر الناس به عند الله، وكان لهم عذرهم في أن الذي نفرهم هو المرض.
ولذلك فهو مرض لا ينفر، كالروماتيزم، وآلام العظام، والضعف العام، وهكذا ... والابتلاء متحقق بهذه الأمراض التي لا تنفر، كما يتحقق بغيرها، والضر به لشدته، ولمدته الطويلة، وحينما قال الله له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ ضربها، ولم يكن عاجزا.
وأي فائدة تترتب على إلقائه في مزبلة، أو امتلاء جسده بالدود، أو تقيح جسده، أو عبث الدواب به؟ لا فائدة في كل هذا؟ والأنبياء والرسل كرام عند الله تعالى.
ولذلك كان أيوب في أثناء بلائه يصدق من الله تعالى، ويكرم أمام الناس، يمدح الله تعالى أيوب ﵇ بصبره على البلاء، وصدقه في العبودية، واستمراريته على الذكر والتسليم، فيقول تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ .
انصرف الناس جميعا عن أيوب ﵇ ولم يبق معه إلا زوجته، فقد استمرت معه تخدمه وتساعده، وتعمل لدى الناس لتنفق عليه من أجرها ﵂ واستمرت على ذلك، حتى انصرف الناس عنها؛ خوفا من انتقال مرض زوجها إليهم، فعمدت إلى إحدى ضفيرتيها، وباعتها لإحدى بنات الأشراف، بطعام طيب وفير

1 / 242