الباب التاسع: التمهيد للدعوة
...
التمهيد للدعوة
بدأت دعوة الشيخ الإمام هامسة تمشي على إشفاق بين ظلام البدع والمنكرات ووسط معاقل المشعوذين في نجد، فكانت أشبه بخيوط الفجر تندس في أحشاء الليل لتطارد بين يديها جحافل الظلام الكثيف من تصورات الأوهام التي لا يكاد يشعر بها أحد ممن لفهم الليل البهيم بردائه إلا قليل من أولئك الذين لمحوا على الأفق البعيد بشريات الصباح، فأزعجوا طائر النوم من عيونهم، وانتظموا في موكبها يستقبلون يومًا من أيام الله المباركة، وتكونت الخميرة الأولى للدعوة المباركة في المدينة المنورة يوم كان ابن عبد الوهاب ﵀ طالبًا فيها، حيث رفع بصره ورأى أعمال الجهالة عند قبر رسول الله ﷺ، فاقلقته هذه البدع وأقضت مضجعه، ولما سافر إلى البصرة ازداد شعوره بأداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد عانى أنواعًا من المحن حيث اضطر إلى مغادرة البصرة والعودة إلى حريملاء، وزاد تصميمه على منازعة الشرك ورفع راية التوحيد والتركيز على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له إعلاء لكلمة الله ﷿، فنهض رحمه الله تعالى ينكر بشدة على الدجاجلة والرؤساء وغيرهم ما ألصقوا بدين الله تعالى من منكرات البدع والأهواء.
وأخذ الشيخ يجهر بدعوته قولًا وعملًا، ولكن والده منعه من ذلك خوفًا على ابنه من ثورة العوام، فاتجه الشيخ للبحث والتحصيل والتفكير في أنجح الوسائل، وأصح الأساليب لدعوة الناس، فألف كتاب التوحيد الذي يعتبر قاعدة الانطلاق، فلما مات أبوه عبد الوهاب ﵀ أعلن دعوته وأعاد نشاطه، وعلى ضوء المستجدات يومها قرر الشيخ محمد أن "حريملاء" لا تصلح لنشر الدعوة بسبب