Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
فالمتعلق بالألفاظ دون المعاني، راض وقانع بالقشر دون اللباب، ألا ترى إلى قوله - عز وجل - كيف اعتذر إلينا وقال: (يأخذوا بأحسنها) وقال: (الذين يستمعون القول فيتبعون أسحنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب).
فالله تعالى يا أخي يحملك وإيانا على السداد، ويؤيدك ويلهمك سبيل الرشاد ويسددك.
ونحن نريد أن نقدم بين يدي كلامنا مقدمات، ثم نشرع بعد ذلك في إيضاح الحق والبرهان عليه إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك يا أخي أنه محال ظهور الفرع قبل ثبوت الأصل، ومحال أن يبرهن مبرهن على حق أو باطل، بوجوه البرهانات، إلى من لا يعرف البرهان ولا يقر به، فإذا ما عرف وجوه البراهين وأقر بها أمكنك الكلام معه، فإن لم يف بالشرطين جميعا كان الكلام معه لغوا، ولابد من معرفة الحق وإقراره به.
وقد تيقنت يا أخي بأن حجج القرآن أعظم الحجج، وبراهينه أعظم البراهين، ولن ينفك في جاهل منكر، حتى يقع الكلام في تثبيت القرآن أولا أنه حق من عند الله تعالى، فهناك نشرع في إيضاح القرآن له.
كما أنه محال يا أخي أن يرى اللون من فقد البصر، ويسمع الصوت من فقد السمع، ومحال أن يستعمل النحو فاقد اللغة، وأن يحسن اللغة أبكم، وأن يكون أبكم من ليس موجودا، فإذا حصل الوجود أكمن البكم، وإذا انطلق اللسان أمكن الكلام، وإذا أمكن الكلام أمكن النحو.
ومحال أن يعرف الحق ويقر به من لا يعرف البرهان، ومحال أن يعرف البرهان ولا يعرف طرقه، وهكذا عادة الله تعالى في الأمور كلها، فالمقدمة الأولى توكيد للبرهان وتمهيد طرقه.
وذلك أن العلوم البرهانية لا تتطرق إلى العباد إلا من أحد ثلاثة أوجه:-
إما عقلية، وإما لغوية، وإما شرعية.
وللعلوم العقلية قوانين، وللعلوم اللغوية قوانين، وللعلوم الشرعية قوانين، ولكل حد مطلع.
Page 4