ومعنى المجاز طريق القول ومأخذه، وهو مصدر جزت مجازًا كما تقول " قمت مقامًا "، وقلت مقالًا " حكى ذلك الحاتمي، ومن كلام عبد الله بن مسلم بن قتيبة في المجاز قال: لو كان المجاز كذبًا لكان أكثر كلامنا باطلًا؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا، والفعل لم يكن وإنما يكون، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء، وقال في قول الله ﷿: " فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه " لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار؟ لم يجد بدًا من أن يقول: يهم أن ينقض، أو يكاد، أو يقارب، فإن فعل فقد جعله فاعلًا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ.
والمجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعًا في القلوب والأسماع، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثم لم يكن محالًا محضًا فهو مجاز؛ لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز، إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز بابًا بعينه؛ وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه سبب، كما قال جرير ابن عطية:
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن تريد بالسماء السحاب؛ لأن كل ما أظلك فهو سماء، وقال " سقط " يريد سقوط المطر الذي فيه، وقال " رعيناه " والمطر لا يرعى، ولكن أراد النبت الذي يكون عنه؛ فهذا كله مجاز، وكذلك قول العتابي: