والناس مختلفو الرأي في مزاوجة الألفاظ: منهم من يجعل الكلمة وأختها، وأكثر ما يقع ذلك في ألفاظ الكتاب، وبه كان يقول البحتري في أكثر أشعاره، من ذلك قوله:
تطيب بمسراها البلاد إذا سرت ... فيفغم رياها ويصفو نسيمها
ففي القسيم الآخر تناسب ظاهر.. وكذلك قوله:
ضاق صدري بما أج ... ن وقلبي بما أجد
وقوله أيضًا في مدح المتوكل:
لقد اصطفى رب السما ... ء له الخلائق والشيم
ومنهم من يقابل لفظتين بلفظتين، ويقع في الكلام حينئذ تفرقة وقلة تكلف: فمن المتناسب قول علي بن أبي طالب ﵁ في بعض كلامه " أين من سعى واجتهد، وجمع وعدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد " فأتبع كل لفظة ما يشاكلها، وقرنها بما يشبهها. ومن الفرق المنفصل قول امرئ القيس:
كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسبإ الزق الروي، ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغدادي يعرف بالمنتخب، ولا يكاد يسلم منه أحد من القدماء والمحدثين، ولا يذكر شعر بحضرته إلا عابه، وظهر على صاحبه بالحجة الواضحة، فأنشد يومًا هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد، لو قال:
كأني لم أركب جوادًا، ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبإ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
لكان قد جمع بين الشيء وشكله؛ فذكر الجواد والكر في بيت،