282

Al-jināyāt fī al-fiqh al-islāmī dirāsa muqārana bayna al-fiqh al-islāmī waʾl-qānūn

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

Publisher

دار الكتاب الجامعي

Edition

الثانية

الأهلية، فقد جعل المشرع البلوغ أمارة على تكامل العقل؛ لأن الاطلاع على تكامل العقل متعذر؛ لأنه أمر خفي، فأقيم البلوغ مقامه؛ لأن البلوغ به تتكامل القوى الجسمانية، وتتم التجارب والإدراكات التي هي مراكب للقوى العقلية، ولأن البلوغ أمارة ظاهرة منضبطة يمكن أن تعلق الأحكام بها حتى تصدر على نسق واحد، ولا يضطرب التكليف؛ إذ إن للبلوغ علامات ظاهرة في الذكر والأنثى، فإذا وجدت هذه العلامات حكم ببلوغه.
وإذا لم توجد كان البلوغ بالسن، وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فيرى جمهور الفقهاء "أبو يوسف ومحمد ابن الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية، ورأي عند المالكية" تقديره بخمس عشرة سنة؛ وذلك لأنه المعتاد الغالب، ولما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: عرضت على النبي ﷺ وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، وعرضت عليه في السنة الثانية فأجازني، ويقصد من عرضه على الرسول ﷺ تقديمه للاشتراك في القتال، وقد أجيز اشتراكه في سن الخامسة عشرة.
ويرى المالكية تقديره بثماني عشرة سنة للفتى والفتاة، ويوافقهم أبو حنيفة في الفتى ويجعله للفتاة سبع عشرة سنة لسرعة بلوغها، وقد استدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال: "حتى يبلغ أشده" أي: ثماني عشرة سنة١.
ولما كان البلوغ في بلادنا يغلب في سن الخامسة عشرة؛ بل يندر التأخر عن هذه السن بالنسبة للفتى، أما الفتاة فهي أسبق من ذلك بكثير؛ لذلك

١ وللمالكية خمسة أقوال، ففي رواية ثمانية عشر، وقيل: سبعة عشر، وزاد بعض شراح الرسالة ستة عشر، وروى ابن وهب خمسة عشر؛ لحديث ابن عمر. نظرية الحق للمؤلف.

1 / 287