274

Al-jināyāt fī al-fiqh al-islāmī dirāsa muqārana bayna al-fiqh al-islāmī waʾl-qānūn

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

Publisher

دار الكتاب الجامعي

Edition

الثانية

أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله" قال: وزادني غيره: قال: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم". وهذا يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كانت الحال على ما ذكر؛ لأن ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد وغلبته على العامة، وفرض النهي عن المنكر في هذه الحال إنكاره بالقلب.
صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا خلاف بين الفقهاء في أنه فرض، إلا أن فريقا من الفقهاء يرى أنه فرض عين، على كل أحد في نفسه أن يقوم به على قدر استطاعته، كفريضة الحج، فلا يسقط عنه لقيام غيره به، حكومة، أو جماعة، أو أفرادا، علماء أو جهالا، بل لا بد من أن يباشره كل فرد من أفراد المسلمين إذا كان قادرًا، وحينئذ تكون الآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ...﴾ قد خرجت مخرج الخصوص مجازًا، كقوله تعالى: ﴿يَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ومعناه ذنوبكم؛ أي: أنه يجب أن تدعو الأمة إلى هذا وتقوم به جميعها.
ويرى فريق آخر أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم الناس جميعا كفريضة الجهاد؛ لأن "من" في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ حقيقة في التبعيض، وذلك يقتضي قيام البعض به دون البعض، فدل ذلك على أنه من فروض الكفاية، وهذا هو الظاهر.
ولقد أفاض الفقهاء في بيان الشروط التي يلزم توافرها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء من حيث الآمر أو الناهي -كاشتراط التكليف، والإيمان، والقدرة، والعدالة، وإذن الإمام- أو من حيث ما يلزم توافره في المنكر -كاشتراط وجوده في حال النهي وظهوره- أو من حيث منهج دفع مقترفه.
ولما كانت الإفاضة في ذلك تنقلنا إلى مبحث "الحسبة" في الفقه الإسلامي،

1 / 279