Tārīkh al-Jazāʾir al-muʿāṣir
تاريخ الجزائر المعاصر
Publisher
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
Genres
•General History
Regions
Algeria
إن مختلف المصادر التي بين أيدينا اليوم تركز على العمل الفدائي الذي عرفته العاصمة ولا تعير إلا اهتمامًا متواضعًا للعمليات التي أنجزها الفدائي في باقي مدن الجزائر وقراها وذلك على الرغم من أن تلك العمليات كانت في كثير من الأحيان تكاد تكون خيالية. فالإعلام العالمي، عندما لا يكون منحازًا، فإنه يستقي معلوماته من وسائل الإعلام الفرنسي وهذه الأخيرة موجهة للتقليل من أهمية التزايد الذي عرفه الكفاح المسلح مباشرة بعد مؤتمر الصومام ولتعميم الواقع الذي من شأنه أن يظهر للرأي العام العالمي أن قيادات الثورة تبذل جهودًا مكثفة لتطبيق مقررات المؤتمر المذكور. أما الأجهزة الإعلامية التي كانت في حوزة الثورة، فإنها، رغم كل المحاولات، لم ترق إلى المستوى الذي يجعلها قادرة على الاستجابة للحاجة، وحتى الإعلام العربي الذي كان متعاطفًا مع الثورة بالضرورة، فإنه لم يكن من حيث الإمكانيات المادية والتقنية، قادرًا على تأدية الدور الذي يسمح بتقديم العمل الثوري في صورته الحقيقية التي يعمل العدو على إخفائها بكل ما أوتي من قوة (١).
وسيظل إضراب الأسبوع، كما اصطلح على تسميته، مادة غزيرة للمؤرخين السياسيين وللمسؤولين الجزائريين الذين عايشوا الحدث أو شاركوا في الإعداد له من قريب أو من بعيد.
أما الشهيد العربي بن المهيدي وأنصاره فموقفهم لا غبار عليه. فالإضراب، بالنسبة إليهم، امتحان عسير مطلوب منه تحقيق نتيجتين إيجابيتين مقابل تضحيات جسام لا يمكن تقييمها مسبقًا. فالنتيجة الأولى تتكتل في توسيع الهوة بين جماهير الشعب الجزائري، وقوى الاحتلال الفرنسي وفي هز النفوس المترددة والمتشككة وجعلها تقتنع بأن التضامن الوطني هو الضمان الوحيد لتوفير الشروط اللازمة للقضاء على النظام الاستعماري واسترجاع السيادة الوطنية، وتكمن النتيجة الثانية في تنبيه الرأي العام العالمي إلى أن شعار الجزائر الفرنسية خرافة لم يعد لها وجود بفعل إجماع الجزائريين على طاعة أوامر جبهة التحرير الوطني.
(١) ولسد هذا في تاريخ ثورة فإن منظمة المجاهدين تقيم دوريًا سنوات ندوات جبهوية وأخرى وطنية، تحاول، من خلالها، إقامة جرد واف بقدر الإمكان لمختلف العمليات العسكرية والفدائية دون إهمال جانب التنظيم السياسي والاجتماعي والثقافي والقضائي للثورة. غير أن هذا الجهد، رغم ضخامته ورغم قيمته العلمية، سيظل ضائعًا ما لم تتحد الأقلام المختصة الى تحويله إلى تاريخ ما أحوج الأجيال الصاعدة إليه.
2 / 96