قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال التي حكيناها عمن رويناها عنه وجه ومذهب من التأويل.
فأما وجه تأويل من تأول قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]؛ أي: لم تكونوا شيئًا، فإنه ذهب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميت، وهذا أمر ميت؛ يراد بوصفه بالموت: خمولُ ذِكْرِهِ ودُرُوسُ أثرِه من الناس.
وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمرٌ حَيٌّ وذِكْرٌ حَيٌّ؛ يراد بوصفه بذلك: أنه نَابِهٌ متعالم في الناس، كما قال أبو نخيلة السعدي:
فأحييت لي ذكري وما كنت خاملا
ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
يريد بقوله: فأحييت لي ذكري؛ أي: رفعته وشَهَرْتَهُ في الناس حتى نَبُهَ فصار مذكورًا حيًّا بعد أن كان خاملًا ميتًا. فكذلك تأويل قول من قال في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]: لم تكونوا شيئًا؛ أي: كنتم خُمُولًا لا ذِكْرَ لكم، وذلك كان موتكم، فأحياكم فجعلكم بشرًا أحياء تُذكرون وتُعرفون، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، كالذي كنتم قبل أن يحييكم، من دُرُوسِ ذِكْرِكم، وتعفِّي آثارِكم، وخمول أموركم، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى