276

وذكر : إن الذي أوقعهم فيه تشتت الأهواء ، وترك كتاب الله تعالى ، ألم تر إلى قوله : ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) (1). فافهم أيها الأمير ما أقوله ، فإن ما نهى الله عنه فليس منه ، لأنه لا يرضى ما يسخط ، وهو من العباد ، فإنه تعالى يقول : ( ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ). (2)

فلو كان الكفر من قضائه وقدره ، لرضي به ممن عمله ، وقال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) (3)؟! وقال : ( والذي قدر فهدى ) (4) ولم يقل والذي قدر فأضل ، لقد أحكم الله آياته وسنة نبيه عليه السلام فقال : ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ) (5). وقال : ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) (6). ولم يقل ثم أضل ، وقال : ( إن علينا للهدى ) (7)، ولم يقل إن علينا للضلال ولا يجوز أن ينهى العباد عن شيء في العلانية ، ويقدره عليهم في السر ، ربنا أكرم من ذلك وأرحم ولو كان الأمر كما يقول الجاهلون ما كان تعالى يقول : ( اعملوا ما شئتم ) (8). ولقال : اعملوا ما قدرت عليكم ، وقال : ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) (9). لأنه جعل فيهم من القوة ذلك لينظر كيف يعملون ، ولو كان الأمر كما قاله المخطئون ، لما كان إليهم أن يتقدموا ولا يتأخروا ، ولا كان لمتقدم حمد فيما عمل ، ولا على متأخر لوم ، ولقال : جزاء بما عمل بهم ، ولم يقل جزاء بما عملوا وبما كسبوا ، وقال تعالى : ( ونفس وما سواها* فألهمها فجورها

Page 283