299

Bidāyat al-mujtahid wa-nihāyat al-muqtasid

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

Editor

فريد عبد العزيز الجندي

Publisher

دار الحديث

Publication Year

1425 AH

Publisher Location

القاهرة

مَنْ كَرِهَهَا لِلشَّابِّ وَأَجَازَهَا لِلشَّيْخِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
فَمَنْ رَخَّصَ فِيهَا فَلِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ» . وَمَنْ كَرِهَهَا فَلِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْوِقَاعِ. وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: الْقُبْلَةُ تُفْطِرُ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَقَالَ: " أَفْطَرَا جَمِيعًا» . خَرَّجَ هَذَا الْأَثَرَ الطَّحَاوِيُّ وَلَكِنْ ضَعَّفَهُ.
وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِنْ هَذِهِ مِنْ قِبَلِ الْغَلَبَةِ وَمِنْ قِبَلِ النِّسْيَانِ، فَالْكَلَامُ فِيهِ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْمُفْطِرَاتِ وَأَحْكَامِهَا.
وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِمَّا هُوَ مَنْطُوقٌ بِهِ: فَالْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ. أَمَّا الْحِجَامَةُ فَإِنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ: قَوْمٌ قَالُوا: إِنَّهَا تُفْطِرُ وَأَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنْهَا وَاجِبٌ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لِلصَّائِمِ وَلَيْسَتْ تُفْطِرُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّهَا غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ وَلَا مُفْطِرَةٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ وَمِنْ طَرِيقِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» . وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ هَذَا كَانَ يُصَحِّحُهُ أَحْمَدُ.
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا صَحِيحٌ.
فَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: مَذْهَبُ التَّرْجِيحِ.
وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الْجَمْعِ.
وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ الْإِسْقَاطِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ.
فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ قَالَ بِحَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُوجِبٌ حُكْمًا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَافِعُهُ، وَالْمُوجِبُ مُرَجَّحٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الرَّافِعِ لِأَنَّ

2 / 53