211

Al-sarāyā waʾl-buʿūth al-nabawiyya ḥawla al-Madīna wa-Makka

السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى-جمادى الأول-١٤١٧ هـ

Publication Year

١٩٩٦ م

مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي"١. هذه الرواية٢ على ضعفها حديثيًّا إلا أننا نستأنس بها تاريخيًّا على مدى الحب المتمكن في قلوب أصحاب النبي ﷺ له، ذلك الحب الذي لا يتزعزع حتى في أصعب اللحظات حراجة، وهكذا نراهم يفدونه بأنفسهم أن تصيبه شوكة آمنا في بيته، وهو بين يدي أعدائهم يعاينون الموت، فما أخلصها من تضحية، وما أعظمه حبًّا أدهش أعداءهم في ذلك الوقت، يقول أبو سفيان في سياق الرواية السابقة "ما رأيت من الناس أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا"٣.
وقد استجاب الله ﷿ "لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبيُّ ﷺ أصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حُدثوا أنه قتل ليؤتَوا بشيء منه يعرف، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر٤ فَبُعِثَ على عاصم مثل الظلة من الدَّبر٥. فحمتهم من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا٦.
وهكذا فقدت الدعوة إلى الله بعض فرسانها، وحزن رسول الله ﷺ و"المسلمون لفقدانهم عاصما وصحبه، ولمصرع أسيرهم على هذا النحو

١ رواه ابن إسحاق عن شيخه عاصم بن عمرو مصرحا بالتحديث عنه.
انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٧٢)، كما رواه الواقدي، مغازي (٢/٣٦٢) .
٢ في سياق رواية عروة المشار إليها أعلاه أن المشركين سألوا خبيبا مثل ذلك وأجابهم بمثل جواب زيد، فإن صحَّت الروايتان كان كلّ منهما سئل عن ذلك من جانب المشركين وأجابهم بجواب واحد يمثل حبًّا طاغيًا لرسول الله ﷺ من جانب أصحابه.
٣ انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٧٢)، والواقدي، مغازي (٢/٣٦٢) .
٤ قال ابن حجر: لعل العظيم المذكور غقبة بن أبي معيط، فإن عاصما قتله صبرا بأمر النبي ﷺ بعد أن انصرفوا من بدر. ووقع عند ابن إسحاق، وكذا في رواية بريدة بن سفيان: أن عاصما لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وهي أم مسافع وجلاّس ابني طلحة العبدي، وكان عاصم قتلهما يوم أحد وكانت نذرت لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر في قحفه فمنعته الدَّبر. ابن حجر، فتح (٧/٣٨٤) .
٥ جماعة النحل، وقيل: ذكور النحل، أو الزنابير. القاموس، دبر، وابن حجر، فتح (٧/٣٨٤) .
٦ من رواية إبراهيم بن موسى. انظر البخاري، الصحيح (٥/٤١) .

1 / 233