Al-Baḥr al-Madīd fī Tafsīr al-Qurʾān al-Majīd
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
Editor
أحمد عبد الله القرشي رسلان
Publisher
الدكتور حسن عباس زكي
Edition
١٤١٩ هـ
Publisher Location
القاهرة
Genres
•Allegorical Exegesis
Regions
•Morocco
Empires & Eras
ʿAlawid or Filalī Sharīfs (Morocco), 1041- / 1631-
قلت: قال في القاموس: غرف الماء يغرفه: أخذه بيده، كاغْتَرَفه، والغَرْفَةُ للمَرَّة، وبالكسر: هيئة الغرف وبالضم: اسم للمفعول، كالغرافة، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غُرْفَة، ثم قال: والغُرْفَةُ، بالضم: العُلِّيَّة «١» .
يقول الحق ﷻ: ولما اتفقوا على مُلك طالوت تجهز للخروج، وقال: لا يخرج معه إلا الشبابُ النشيط الفارغُ ليس وراءه علقة «٢»، فاجتمع ممن اختار ثمانون ألفا، وقيل: ثلاثون، فلما انفصل عن بلده بالجنود وساروا في البيداء، - وكان وقت الحرِّ والقيّظ- عطشوا، وسألوا طالوتَ أن يُجري لهم نهرًا، فقال لهم بوحْي، أو بإلهام، أو بأمر نبيهم: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ أي: مُختبركم بِنَهَرٍ بسبب اقتراحكم، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ كَرْعًا بلا واسطة فَلَيْسَ مِنِّي أي: من جيشي، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ أي: يَذْقه، فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فإنها تكفيه لنفسه ولفرسه، فالاستثناء من الجملة الأولى.
فَشَرِبُوا مِنْهُ أي: كَرعُوا، وسقطوا على وجوههم، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ثلاثُمائةٍ وأربعةَ عشر، على عدد أهل بدر، وقيل: ألفًا. رُوِيَ أن من اقتصر على الغَرفة كَفَتْه لشربه ودوابه، ومن لم يقتصر غلب عطشُه، واسودَّتْ شفتُه ولم يقدْر أن يمضيَ. وعن ابن عباس: أن القومَ شربوا على قدر يقينهم: فالكفار شربوا شُربَ الهيم، وشَرِب العاصي دون ذلك، وانصرف من القوم ستةٌ وسبعون ألفًا، وبقي بعضُ المؤمنين لم يشرب شيئًا، وأخذ بعضهم الغَرفة، فأما من شرب فاشتد به العطشُ وسقط، وأما من ترك الماءَ فحسن حالُه، وكان أجلَد ممن أخذ الغرفة. هـ.
وحكمة هذا الامتحان: ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون، إذ لا يقع النصر إلاَّ بهم، فلما جاوز النهرَ طالوتُ ومن بقيَ معه ممن لم يشربْ قال بعضهم لبعض: لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لكثرتهم وقلة عددنا، قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أي: يَتَيَقَّنْون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم الخُلْصُ من أهل البصيرة: لا تفزعوا من كثرة عددهم كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وإرادته ومعونته، و«كم» للتكثير، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر والمعونة.
الإشارة: قال بعض الحكماء: الدنيا كنهر طالوت، لا ينجو منها إلا من لم يشربْ أو اغترف غرفةً بيده، فمن أخذ منها قَدْرَ الضرورةِ كَفَتْه، ونَشَطَ لعبادة مولاه، ومن أخذ فوق الحاجة حُبس في سجنها، وكان أسيرا فى يدها.
(١) العلية بضم العين وكسرها- هى الغرفة في الطبقة الثانية من الدار وما فوقها، وجمعها (علالى)
(٢) أي: ما يتعلق به وجمعها علق. وذلك كتجارة، وزوجة لم يدخل بها، وغير ذلك.
1 / 277