202

Baḥr al-Fawāʾid

بحر الفوائد

Editor

محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٠هـ - ١٩٩٩م

Publisher Location

بيروت / لبنان

بِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَحْقِيقُهُ، وَنَكِلُ عِلْمَ كَيْفِيَّتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ﷿ إِذِ اللَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَشَاؤُهُ، وَهُوَ الْقَدِيرُ الْحَكِيمُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعْنًى آخَرُ، يَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ إِنْ طَابَقَ لَفْظُ الْخَبَرِ مَعْنَاهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ» أَيْ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَنْ كَانَ يُؤْذِيهِ الْمَيِّتُ فِي حَيَاتِهِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى الِاسْمِ، وَيَكُونُ كَانَ مُضْمَرًا فِي الْكَلَامِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يُؤْذِي الْمَيِّتَ فِي قَبْرِهِ مَنْ كَانَ يُؤْذِيهِ الْمَيِّتُ فِي بَيْتِهِ، فَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَنَّ الْمَلَكَ يَتَبَاعَدُ مِنَ الرَّجُلِ عِنْدَ الْكَذْبَةِ يَكْذِبُهَا مِيلَيْنِ مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ» فَهَذَا مِنَ الْأَذَى الَّذِي يَلْحَقُهُ يَتَبَاعَدُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى يُؤْذِي الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ غَيْرُ تَائِبٍ مِنْهَا، وَلَا مُكَفَّرٌ عَنْهُ خَطَايَاهُ، فَيَكُونُ تَمْحِيصُهُ وَتَطْهِيرُهُ فِيمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْأَذَى مِنْ تَغْلِيظِ الْمَلَكِ إِيَّاهُ أَوْ تَقْرِيعِهِ لَهُ أَوْ تَقْرِيعِهِ إِيَّاهُ
فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ يَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، وَالْكَافِرُ يَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ قَالَ: فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، قَالَ: فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ السَّيِّئُ حَدَّثَنَاهُ حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح أَبِي قَالَ: ح الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُمَرَ زَاذَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ أَنَّهُ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا كَانَ يُؤْذِي الْمَلَكَ فِي بَيْتِهِ، وَيُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ اللَّهَ فِي بَيْتِهِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]
⦗٢٩٩⦘ . فَفِي الْحَدِيثِ تَحْذِيرٌ عَنِ ارْتِكَابِ مَنَاهِي اللَّهِ، وَإِتْيَانِ مَعَاصِيهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تُؤْذُوا اللَّهَ فِي حَيَاتِكُمْ وَأَوْلِيَاءَهُ، فَتُؤْذَوْنَ بِهِ فِي قُبُورِكُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

1 / 298