198

Baḥr al-Fawāʾid

بحر الفوائد

Editor

محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٠هـ - ١٩٩٩م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حَدَّثَنَاهُ حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى، ح نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الْحُدَّانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ تَشْفَعُ؟ قَالَ: «لِأَصْحَابِ الدِّمَاءِ وَالْعَظَائِمِ» أَوْ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بَعْدَمَا طَهَّرَهُ مِنْ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ وَأَقْذَارِ الْخَطَايَا بِالنَّارِ، كَمَا قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» . فَكَأَنَّهُ قَالَ: يُدْخِلُ اللَّهُ الْجَنَّةَ أَصْحَابَ الْجِنَايَاتِ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً. وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: تَنْبِيهٌ لِلْخَلْقِ، وَإِخْبَارٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ الْجَنَّةَ مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا بِالْأَعْمَالِ كَمَا قَالُوا: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَا أُبَالِي بِمَا أَتَوْهُ مِنْ صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ، وَمَا ضَيَّعُوهُ مِنَ الْحُقُوقِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أنا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ» ⦗٢٩٣⦘ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَرْزُبَانِيُّ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ قَالَ: ح أَبُو ثَابِتٍ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» . فَفِيهِ إِنَابَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ الْجَنَّةَ مَنْ يَشَاءُ رَحْمَةً مِنْهُ وَفَضْلًا لَا بِعَمَلٍ صَالِحٍ، وَيُدْخِلُ النَّارَ عَدْلًا مِنْهُ لِأُمَّتِهِ، لَا بِعَمَلٍ سِيءٍ إِلَّا بِمَا حَكَمَ، وَأَخْبَرَ وَهُوَ الصَّادِقُ فِي خَبَرِهِ، فَقَالَ ﷻ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وَقَالَ ﷻ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]، فَهُوَ لَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ كَافِرًا، وَلَا يَغْفِرُ لِمُشْرِكٍ وَهُوَ لِمَا دُونَ ذَلِكَ غَافِرٌ لِمَنْ يَشَاءُ، مُدْخِلٌ الْجَنَّةَ مَنْ أَرَادَ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً. وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ الْجَنَّةَ الْفَاجِرَ فِي دِينِهِ، الْمُسْتَخِفَّ بِدُنْيَاهُ، الْبَاذِلَ لَهَا مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ، الْمُنْفِقَ مِنْهَا فِي كُلِّ وَجْهٍ، الَّذِي لَا يُحْزِنُهُ فَوَاتُهَا كَبِيرَ حُزْنٍ، وَلَا يُفْرِحُهُ نَيْلُهَا كَبِيرَ فَرَحٍ، الَّذِي لَا تَقَعُ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِهِ كَبِيرَ مَوْقِعٍ، فَهُوَ فِيهَا لَا يُبَالِي بِمَا قَلَّتْ عِنْدَهُ أَوْ كَثُرَتْ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «رُبَّ فَاجِرٍ فِي دِينِهِ أَخْرَقَ فِي مَعِيشَتِهِ يَدْخُلُ بِسَمَاحَتِهِ الْجَنَّةَ» . أَخْبَرَ أَنَّ الِاسْتِهَانَةَ بِالدُّنْيَا، وَالِاسْتِخْفَافِ بِهَا يَبْلُغُ مِنَ الْعَبْدِ مَا لَا يَبْلُغُهُ كَبِيرٌ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ مَعَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَعَ إِيثَارِهَا وَالْحُبِّ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَخِفَّ بِهَا قَدْ وَافَقَ اللَّهَ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي اسْتِهَانَةِ مَا هَانَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَصَغُرَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ وَزَنَتِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»

1 / 292