Aysar al-Tafāsīr li-Kalām al-ʿAlī al-Kabīr
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أخرج ابن جرير الطبري بأسانيد صحيحة أن وفد نجران والمكون من ستين راكبا فيهم أشرافهم وأهل الحل والعقد منهم، وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاجونه في أمر المسيح عليه السلام ويريدون أن يثبتوا الهيته بالادعاء الباطل فأنزل الله تعالى نيفا وثمانين آية من فاتحة السورة الم إلى ما يقارب الثمانين. وذلك ردا لباطلهم، وإقامة للحجة عليهم، وسيلاحظ هذا المتدبر للآيات ويراه واضحا جليا في السياق القرآني في هذه الآيات.
فقد قال تعالى الم، الله لا إله إلا هو فأخبر أنه تعالى لا معبود بحق إلا هو، فأبطل عبادة المسيح عليه السلام وعبادة كل معبود سوى الله تعالى من سائر المعبودات، وقال الحي القيوم فذكر برهان استحقاقه للعبادة دون غيره وهو كونه تعالى حيا أزلا وأبدا وكل حي غيره مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء، فلذا لا يستحق الألوهية إلا هو عز وجل والمسيح عليه السلام مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء فكيف يكون إلها؟ وقال تعالى القيوم أي القائم على كل الخلق بالتربية والرعاية والحفظ والتدبير والرزق، وما عداه فليس له ذلك بل هو مربوب مرزوق فكيف يكون إلها مع الله؟ ودليل ذلك أنه نزل عليك الكتاب: القرآن بالحق مصحوبا به ليس فيه من الباطل شيء فآياته كلها مثبتة للألوهية لله نافية لها عما سواه، فكيف يكون المسيح إلها مع الله أو يكون هو الله، أو ابن الله كما يزعم نصارى نجران وغيرهم من نصارى اليونان والرومان وغيرهم نزله مصدقا لما بين يديه من الكتب التي سبقته لا يخالفها ولا يتناقض معها فدل ذلك أنه وحي الله، وأنزل من قبله التوراة والإنجيل هدى للناس وأنزل الفرقان ففرق به بين الحق والباطل في كل ما يلبس أمره على الناس فتبين أن الرب الخالق الرازق المدبر للحياة المحيي المميت الحي الذي لا يموت هو الإله الحق وما عداه مربوب مخلوق لا حق له في الألوهية والعبادة وإن شفى مريضا أو أنطق أبكم أو أحيا ميتا بإذن الله تعالى فإن ذلك لا يؤهله لأن يكون إلها مع الله كعيسى بن مريم عليه السلام فإن ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء بعض الموتى كان بقدرة الله وإذنه بذلك لعيسى وإلا لما قدر على شيء من ذلك شأنه شأن كل عباد الله تعالى، ولما رد الوفد ما حاجهم به الرسول وأقام به الحجة عليهم تأكذ بذلك كفرهم فتوعدهم الرب تعالى بقوله: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } وهذا وعيد شديد لكل من كذب بآيات الله وجحد بالحق الذي تحمله من توحيد الله تعالى ووجوب طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } فلو كان هناك من يستحق الألوهية معه لعلمه وأخبر عنه، كما قرر بهذه الجملة أن عزته تعالى لا ترام وأنه على الانتقام من أهل الكفر به لقدير.
وذكر دليلا آخر على بطلان ألوهية المسيح فقال: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء } وعيسى عليه السلام قد صور في رحم مريم فهو قطعا ممن صور الله تعالى فكيف يكون إذا إلها مع الله أو إبنا لله كما يزعم النصارى؟ وهنا قرر الحقيقة فقال: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } فالعزة التي لا ترام والحكمة التي لا تخطىء هما مقتضيات ألوهيته الحقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر ولا يجاحد فيها إلا معاند كوفد نصارى نجران ومن على شاكلتهم من أهل الكفر والعناد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير ألوهية الله تعالى بالبراهين ونفي الألوهية عن غيره من سائر خلقه.
2- ثبوت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بإنزال الله تعالى الكتاب عليه.
3- إقامة الله تعالى الحجة على عباده بإنزال كتبه والفرقان فيها ببيان الحق والباطل في كل شؤون الحياة.
4- بطلان ألوهية المسيح لأنه مخلوق مصور في الأرحام كغيره صوره الله تعالى ما شاء فكيف يكون بعد ذلك إلها مع الله أو ابنا له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
[3.7-9]
Unknown page