ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (١).
فهذا صريح في أن الحلال كان طيبًا قبل حله. وأن الخبيث كان خبيثًا قبل تحريمه. ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس التحليل والتحريم لوجهين اثنين:
أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب فقال: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) (٢).
فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل. فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل، ويحرم عليهم ما يحرم، وهذا أيضًا باطل. فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني.
فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيبًا آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معًا.
فتأمل هذا الموضع حق التأمل، يطلعك على أسرار الشريعة، ويشرفك على محاسنها، وكمالها، وبهجتها، وجلالها. وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين: أن تكون بخلاف ما وردت به. وأن الله تعالى منزه عن ذلك، كما يتنزه عن سائر ما لا يليق به" (٣) أ. هـ.
* معجزات النبوة:
من المعلوم ضرورة: أن الله خلق المعجزات لتصديق الأنبياء، وجعلها فرقانًا
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.
(٢) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.
(٣) فتاح دار السعادة /٣٢٣: ٣٢٤.