وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين" والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة، ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح: إن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم.
(النوع الثاني): أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنًا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
و(النوع الثالث): أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه! ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه، فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح، وكذلك حديث الأبرص والأقرع والأعمى، لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة. فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم فرضي عنك، وسخط على صاحبيك.
فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به، وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة؛ وزعمت أن الحسن القبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك، بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا، أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع؛ وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب (١) أ. هـ.
وأورد ابن تيمية سؤالًا مهمًا في هذا المقام يظهر به أدق الفروق بين مذهب جماهير أهل السنة، وبين مذهب النفاة في تلك المسألة.
قال ﵀: "فإن قيل: إذا لم يكن معاقبًا عليها - أي: على فعل الشرك والفواحش قبل الرسالة - فلا معنى لقبحها. قيل: بل فيه معنيان:
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣١ - ٤٣٦).