"ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك، بل شهادتها أتم من شهادة الخبر المجرد؛ لأنها شهادة حال لا يقبل كذبًا فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله إلا وجده دالًا على فاطره وبارئه وعلى وحدانيته، وعلى كمال صفاته، وعلى صدق رسله، وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه.
وهذه طريقة القرآن في إرشادة الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالهم على: إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات.
فمرة يخبرهم أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا، ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق، ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم: أن الرسل إنما جاءتم بما يشاهدون أدلة صدقه، وبما لو تأملوه لرأوه مركوزًا في فطرهم مستقرًا في عقولهم، وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عن: أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته.
وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة، وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار" (١).
وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: "لا عذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب ﷾ وتوحيده لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه، وسائر ما خلق ﷾" (٢) أ. هـ.
وقال ابن القيم ﵀: "وأما آياته العيانية الخلقية والنظر فيها، والاستدلال بها. فإنها تدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية. وآيات الرب هي دلائله وبراهينه التي بها تعرف لعباده. فبها يعرفون أسماءه وصفاته
(١) بدائع التفسير: (١/ ٣٤٥: ٣٤٦).
(٢) بدائع الصنائع (٧/ ١٣٢).