263

Iʿānat al-mustafīd bi-sharḥ kitāb al-tawḥīd

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

Publisher

مؤسسة الرسالة

Edition

الطبعة الثالثة

Publication Year

١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م

قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثمّ صوّروا تماثيلهم، ثمّ طال عليهم الأمد، فعبدوهم".
ــ
نبيّه نوحًا ﵇ ينهى عن ذلك، ويريد ردّهم إلى التّوحيد، ولكن لم يؤمن معه إلاّ القليل كما قال الله ﷾: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، كما قال كفّار قريش لما نهاهم محمّد ﷺ عن الشرك: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، لا تطيعوا محمّدًا فدين المشركين واحد من قديم الزمان وحديثه.
"قال ابن القيم" ابن القيّم هو: محمّد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، الإمام الجليل، الحافظ، صاحب المصنّفات المشهورة في التّوحيد والأصول والفقه ومختلف العلوم، وهو أكبر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمهما الله- علمًا وقدرًا.
قال: "لما ماتوا" يعني: لما مات هؤلاء الصالحون. وهذا تفسير وتوضيح لما قاله ابن عباس ﵁.
"عَكَفوا على قبورهم" العُكوف هو: طول البقاء في المكان، ومنه: الاعتكاف في المساجد، كما عرّفه الفقهاء بأنه: لزوم مسجد لطاعة الله.
"ثم صوّروا تماثيلهم" هذه خطوة ثانية.
"ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم" هذه خطوة ثالثة.
فهذه الآثار مع الآية الكريمة تدلّ على مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: تحريم الغلو في الصالحين، بمعنى ما ذكرناه في الغلو، وأنه يؤول إلى الشرك، فإن غلو قوم نوح في الصالحين آل بهم إلى الشرك- والعياذ بالله-، فهذا شاهد للتّرجمة: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين" وهذا ظاهر، فإن ما وقع في قوم نوح كان سببه الغلو في الصالحين.
وفيه ردٌّ على عبّاد القبور اليوم، الذين يقولون: البناء على القبور من باب المحبة للصالحين. وكوننا نستغيث بهم، ونستشفع بهم، ونذبح لهم، وننذر لهم، ونتبرّك بتربتهم، هذا ليس من الشرك، هذا من باب محبة الصالحين. ويقولون: للذين ينكرون هذا أنتم تبغضون الصالحين. هكذا فسروا المحبة والبُغض، بأن

1 / 267